لم تكتف الولايات المتحدة الامريكية بالنجاحات المذهلة التي حصدتها على مستوى القارة السوداء في العقد الاخير من نهاية القرن العشرين, وهي على ما يبدو مصرة على امركة القارة السوداء ولن تتنازل عن مشاريعها المرسومة والمحكمة جيدا والتي تمثلت بكنس النفوذ الاوروبي عموما وفرنسا بشكل خاص من هذه القارة البكر التي لاتزال رغم النهب المنظم الذي قاده العالم الغربي لعشرات السنوات حبلى بالخيرات المذهلة والمتنوعة والتي تفتقدها الكثير من القارات الاخرى مثيلاتها والغريب بالامر انه رغم السيطرة شبه المطلقة للولايات المتحدة على القارة الافريقية, والتي لم تكلفها شن اية حروب او خسارة معنوية ومادية كما كلفت نظيرتها الاوروبية فرنسا بقيت الثانية ممعنة في البحث عن آلية تدخل من خلالها مع امريكا في عملية محاصصة او مقايضة حتى ولو بشكل غير شرعي معها على اخر الثغور الافريقية مقابل مباركة بعض السياسات الفجة والعدوانية في اغلب الحالات التي تمارسها الولايات المتحدة ضد بعض الدول ومن بينها العراق بالاضافة الى فرملة المشاريع المطروحة الناجزة على مستوى القارة الاوروبية ما امكنها ذلك, والتي تتمثل بالوحدة الاوروبية على وجه التحديد خاصة وان الادارة الامريكية باتت تدرك جيدا الدور والنزعة الاستقلالية الفرنسية ـ الالمانية والدعوات المتكررة التي تدعو للعودة الى مناطق نفوذها على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري والامني وانها تدرك اكثر من اي وقت مضى انها ما ارادت استمرار سيطرتها على القارة الاوروبية والحاقها بسياساتها لابد لها ان تسيطر على كل مناطق النفوذ واهمها القارة الافريقية كما اسلفنا القول. وقد ظهر التوجه الامريكي بوضوح بعد انهيار ما كان يسمى بالمعسكر الشيوعي لكن الملفت حقا انها نجحت في محاربة اوروبا والانتصار عليها في هذه البقعة من العالم من خلال خلق ادوات محلية دون ان تجازف بسمعتها الرديئة اصلا على المستوى العالمي, وبدأت تظهر وكأنها الاحرص من بين دول العالم على الحفاظ على حياة الشعوب الافريقية وايجاد حالة من التصالح على المستويين الداخلي والاقليمي في هذه الدول المتصارعة والمتداعية اصلا وما المساعدات التي تقذف بها بين الفينة والاخرى لبعض الشعوب الافريقية التي تعاني من الجوع والفقر والعوز والامراض المستعصية الا ذرا للرماد في العيون وانها تحمل بين ثناياها شكلاً من اشكال الصراع الهادىء والمنظم ضد المصالح الاوروبية برمتها الا من ارتضى من هذه الدول الاذعان الى ارادتها ومشيئتها والانخراط في مشاريعها الكونية والقبول بالفتات التي تمن عليها به بين الحين والآخر مثل بريطانيا ولعل الولايات المتحدة لم تستكثر على فرنسا البقاء في ساحل العاج الذي يعتبر بالنسبة لها منفذا على افريقيا وحسب بل ارادت ان تدخل الالفية الثالثة وقد سيطرت على كل ثغور القارة السوداء دون اية منافسة تذكر دولية كانت او محلية ولعلي اجزم القول ان الولايات المتحدة ما كان لها ان تجازف بكل هذه المجازفة الخطيرة لو لم تخترق المؤسسات العسكرية في هذه البلدان, وان اقطاب هذه المؤسسات اصبحوا جزءا من الارادة الامريكية وهم يسهرون على تنفيذ السياسات والمشاريع الامريكية التي غالبا ما تجلب لشعوبها القتل والدمار من خلال الصراعات المفتوحة على مصراعيها الحاملة للشعارات الاثنية والعشائرية والطبقية.. الى كل اخر هذه المقولات الوهمية التي لن تجلب لهم الا المزيد من القتل والدمار والجوع وما التظاهر بالحرص ومطالبة عسكريي حكومة ساحل العاج بدفع رواتبهم الا ذريعة لينفذوا من خلالها الى الشارع المحلي ويشرعنوا الخطوة الانقلابية التي قاموا بها في مدينة ابيدجان وقد برمجت خطوتهم من خلال الخلاف السياسي الذي يسود بين رئيس ساحل العاج هنري كونان بيدييه والحسن وتارا رئيس الوزراء السابق والمرشح المعلن للانتخابات الرئاسية في اكتوبر المقبل الذي يعتبر من اشد الموالين بل والمدافعين عن خلق علاقة قوية مع الولايات المتحدة ومن اكثر الناس كرها للعلاقة مع فرنسا خاصة وانه يغلف هذا الكره في التذكير دائما بالاحتلال الفرنسي لهذا البلد, وانه لو لم تكن الادارة الامريكية على علم مسبق بهذه الحركة الانقلابية لما كتب لها النجاح او لما قامت اصلا, خاصة وان هذه البلد الافريقية من اكثر البلدان استقرارا وانها عرفت منذ استقلالها الاخير عام 1960 عن الاستعمار الفرنسي حركات تمرد عسكرية عدة لكن لم يكتب لها النجاح حيث انها لم تتوصل ولا لمرة من خلال هذه الحركات الى حد الاطاحة برئيس الجمهورية كما حدث هذه الايام ولما تجرأ بالاساس الجنرال روبرت غي بالقيام بالانقلاب العسكري الذي اطاح برئيس البلاد هنري كونان بيدييه الموالي لفرنسا والمدافع عن بقاء العلاقات الفرنسية على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وفرض سيطرته العسكرية من خلال مجموعة لاتتعدي الخمسين عسكريا على المرافق الرئيسية في العاصمة الاقتصادية لساحل العاج وعلى المدن الاخرى. لكن ما يهمنا بالامر, ان ما يجري في افريقيا, اشبه ما يكون بالحرب الباردة لكن هذه المرة بين فرنسا وامريكا بعد ان انتهت مع الروس ولعل باريس تجني هذه الايام نتائج تحالفاتها الامنية المشتركة مع المؤسسات الامنية الامريكية التي حاكتها ايام الحرب والهادفة الى مواجهة الروس وتحالفاتهم ان على المستوى في الاوروبي الشرقي او تلك الدول المتناثرة هنا وهناك والتي كانت تدور في فلك هذا المعسكر, وان المنظمات الوهمية التي وقعت في شركها والتي وجهت ضد مصالح شعوب الجنوب قد انقلبت على المصالح الفرنسية بنفس الطريقة التي انقلبت فيها ضد مصالح الاتحاد السوفييتي السابق, وان فرنسا باتت اقل قدرة ليس فقط لجهة الحفاظ على مصالحها الحيوية بل وعلى التدخل لحماية رعاياها المتواجدين في ساحل العاج وانها اذا ما ارادت ان تخطو اية خطوة باتجاه ترحيل الرعايا الفرنسيين فهي بحاجة الى موافقة وحماية الاخ العدو الولايات المتحدة والسؤال الصعب الى اي مدى ستبقى فرنسا قادرة بمفردها على تلقي الضربات وتحمل الانتكاسات والهزائم في افريقيا وغيرها بسبب خياراتها الاوروبية؟ وهل هناك من يتحمل على المستوى الاوروبي جزءا من هزائمها او يواجه معها كل هذه الهزائم كألمانيا مثلا؟ اسئلة اخرى كثيرة بالضرورة ستجيب عليها اوروبا وحدها دون غيرها لانها لاتمتلك استطالات ومناطق نفوذ هذه المرة, قد تبني على حسابها امجادها الضائعة. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق