ما زالت صورة الاسلام والمسلمين في الولايات المتحدة مليئة بما يشوهها خاصة نتيجة تفجيرات كالتي وقعت في افريقيا ضد السفارات الامريكية عام 1998 او بعض العمليات المتفرقة التي وقعت ضد مصالح امريكية في العالم وضد اهداف مدنية.. وقد جاءت عملية اعتقال شابين جزائريين منذ ايام بتهم تهريب مواد تستخدم في عمليات التفجير او التخطيط لاعمال ارهابية لتثير التساؤلات حول مخاطر هذا العنف واحتمالاته ولتضيف الى الصورة السلبية. ولكن لو دققنا بالصورة العامة اكثر لوجدنا ان مسألة الارهاب (الاسلامي) قد تراجعت الى حد كبير, وان تعبيراتها تكاد لا تتجاوز الحدود الدنيا نسبة لما كان عليه الحال في السنوات العشر الماضية. ان معدلات العنف الموجه ضد اطراف ثالثة ومدنية في العام الماضي نسبة لاحصاءات الخارجية الامريكية كان الاقل منذ عام 1971. ويمكن القول اذن ان الجانب الاكبر من صورة الارهاب (الاسلامي) تصنعتها اليوم وسائل الاعلام الباحثة بانتقائية عن الاثارة وعن احداث تجذب المشاهد بأكثر مما تصنعها الحقيقة. ان تراجع العنف الموجه ضد مدنيين مرتبط بالتغييرات الناتجة عن انتهاء الحرب الباردة والسياسات الدولية وعلى الاخص الامريكية الناجحة في الحد من تأثيره. ففي السنوات القليلة الماضية تخلت الدول عن مساندة المجموعات التي تمارس العنف على الساحة الدولية نتيجة غياب التوازن الدولي الذي كان يؤمن الحماية لهذه المجموعات, وقد نتج عن ذلك خوف الدول الداعمة لهذه المجموعات من فرض عقوبات اقتصادية وتراجع عن دعم البنك الدولي والمساعدات التنموية.. نهاية الحرب الباردة والعولمة بالمحصلة لم تعملا لصالح هذا النمط من العنف, بل ان دولا مثل ليبيا كما وايران وغيرها بدأت تأخذ منحى جديداً اساسه التوقف عن دعم المجموعات التي تسبب لها ازمات كبرى سياسية واقتصادية وتزج بها في مغامرات لا حد لها ولا اخر. وبنفس المعنى نجد العديد من الدول العربية والافريقية والاسيوية تتعاون في الحد من ظاهرة العنف العالمي فقد سلمت العديد من هذه الدول الى الولايات المتحدة والى دول ثالثة عددا ممن تعتبرهم مرتبطين بهذا النوع من العنف في العام الماضي. وتساهم عملية السلام العربية الاسرائيلية مساهمة كبيرة في دفع انواع عديدة من العنف الى الوراء ففي السابق كان لبنان مفتوحا, اليوم لبنان يقترب من تسوية سلمية سوف تضع حدودا واضحة على اية اعمال من الحدود والى المجال الدولي, كما ان سوريا التي بدأت طريقها السلمي رسميا وواقعيا سوف تتوقف عن كونها مكانا يساهم في جذب مجموعات كانت تمارس انماطا مختلفة من الكفاح المسلح. اما الجبهة الاردنية والفلسطينية فهي الاخرى تقع تحت نظام جديد من السلام والاتفاقات التي تحد من العنف. السلام في اطاره العام يدخل المنطقة في اتفاقات دولية ويلزم قياداتها ومؤسساتها على التعاون للحد من الظاهرة. في كل هذا اختلاف كبير عن الوضع الذي كان قائما في السنوات والعقود الماضية. ومع ذلك تبقى الصورة في وسائل الاعلام الامريكية وكأن الارهاب في اعلى مراحله. فبسبب تركيز وسائل الاعلام على هذا النمط من الارهاب (وبسبب غياب الرأي المتوازن) يصبح من الصعب رؤية الصورة الاشمل. ان الصوت الذي يمثل المواطن الوسطي والانسان العادي في المجتمعات العربية والاسلامية لم يصل الى الاطار الدولي بعد. في نهاية القرن العشرين مازال سوء الفهم حول طبيعة الحياة والعنف والسلم في المجتمعات العربية والاسلامية مستمرا.. لهذا تأتي حادثة اعتقال الشابين الجزائريين في الولايات المتحدة لتخلق انطباعا غير صحيح عن عنف اسلامي مستمر على مدار السنة. الواقع يؤكد ان هذا العنف وتعبيراته الاكثر ارهابية ممكن الوقوع, لكن هذا العنف اصبح ايضا محاصرا ومتفرقا وضعيفا وفي طريقه لمزيد من التراجع. * استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت