تعد الحكومة الجزائرية الجديدة تاسع حكومة منذ بداية التعددية في فبراير 1989 تلتقي مع سابقاتها في كونها تأتي في ظل سنوات الازمة وتختلف عنها من ناحية انها شكلت من طرف رئيس الجمهورية وبعد مدة قاربت الثمانية اشهر ولذلك يراهن عليها الجزائريون مثلما ينتظر منها الكثير في مجال اتاحة الفرصة والاستثمار في الجزائر , خصوصا من الاطراف العربية, غير انها مع ذلك كله لم ترض كثيراً من السياسيين الجزائريين, مع انها حكومة وحدة وطنية وليست حكومة ائتلافية كما كان منتظرا, يضاف الى ذلك ان الاسماء رشحت اعلاميا للحصول على حقائب وزارية تم استبعاد معظمها. يلاحظ ان هذه الحكومة هي الاولى من ناحية المشاركة الحزبية, فبالاضافة الى الاحزاب التي ساندت الرئيس بوتفليقة في الانتخابات مثل التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني, وحركة مجتمع السلم وحركة النهضة, هناك احزاب اخرى حصلت على حقائب وزارية كانت الى وقت بعيد معادية لمعظم توجهات التيار الوطني الذي ينتمي اليه الرئيس بوتفليقة, وتحديدا هي (التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية) و(التحالف الجمهوري) لذلك يرى المراقبون انه بحصول الحزبين السابقين على حقيبتين للاول وحقيبة واحدة للثاني يضاف اليهما حصول حزب التجديد الجزائري على حقيبة واحدة لرئيسه (نور الدين بوكروح) فإن الرئيس بوتفليقة استطاع ان يجمع معظم القوى السياسية وبذلك لن تستطيع المعارضة المسلحة او السلمية القضاء على مشروعه او جعله يتراجع عن مواقفه. والواقع انه لاول مرة يتم تشكيل حكومة من سبعة احزاب ـ بنسب مختلفة ـ منها من ليس له مقاعد في البرلمان وهذا على عكس العملية الديمقراطية التي تفترض في الغالب ان تكون الحكومة مشكلة من الاحزاب التي حصلت على مقاعد في البرلمان, ويذهب احد السياسيين الى اعتبار ما قام به الرئيس بوتفليقة بمثابة رسالة موجهة لمختلف القوى السياسية في الداخل خصوصا وان كل وزارات السيادة تحت اشرافه بشكل مباشر يضاف الى ذلك, فإن القول بوجود جماهيرية واسعة لهذا الحزب او ذاك لم تعد سندا للحصول على حقائب وزارية. ويأتي تشكيل الحكومة الجديدة التي اشرف عليها رئيس الجمهورية بشكل مباشر في ظل وضع امني يزداد تدهورا, ومرشح للمواجهة الايام المقبلة, ولذلك فإن تعيين رئيس للحكومة (أحمد بن بيتور) جاء بعد الانتهاء من تشكيل الحكومة, مما يعطي انطباعا عاما بأنه سينفذ برنامج الرئيس, ولاينتظر تقديم برنامج من الحكومة الجديدة خاصا بها والسرعة التي تم الاعلان بها عن تشكيلة الحكومة تعطي الملامح الاولية على المستقبل الذي ستكون عليه الجزائر في هذا القرن الجديد. يمكن ذكر بعضها على النحو التالي: اولا: لكون الرئيس بوتفليقة يهتم بتقديم الاسبقيات على الضروريات فقد تم اختيار وزراء تتوفر فيهم الشروط الاساسية بالنسبة له لتسيير المؤسسات التي يشرفون عليها ويتضح ذلك في تعيين (محمد يزيد زرهوني) الذي كان نائب رئيس الاستخبارات العسكرية في عهد بومدين وزيرا للداخلية, وهذا يوحي بالتركيز مستقبلا على الوضع الامني, ويلوح باحتمال حرب طويلة الامد ضد الجماعات المسلحة بعد 13 يناير المقبل. ثانيا: واضح ان الرئيس يريد جمع معظم الصلاحيات في يده, وهو ما اكد عليه في السابق, حين ذكر عدة مرات انه سيعمل على استعادة صلاحيات رئيس الجمهورية التي فقدت منه وكتتمة لما سبق ذكره فإنه احتفظ بمنصب وزير الدفاع بالاضافة الى كونه القائد الاعلى للقوات المسلحة, وهذه ليست جديدة بالنسبة لرؤساء الجزائر, لكن كان منتظرا ان يتم الفصل بين ماهو عسكري وماهو سياسي في المرحلة المقبلة, وهو ما يعطي انطباعا بتخوف الرئيس بوتفليقة من الجيش مع ان هذا الاخير هو الذي دعمه في الوصول للسلطة. ثالثا: كثير من الوزراء الذين تم اختيارهم في الحكومة الجديدة هم منفذون لسياسة الرئيس اكثر منهم اصحاب رؤية خاصة, بدليل اختيار بعضهم لوزارات ليست من اختصاصهم فمثلا تعيين يوسف يوسفي وزيرا للخارجية, والذي كان وزيرا للطاقة, وشغل منصب رئيس ديوان الرئاسة في عهد اليمين زروال هدفه تنشيط الاقتصاد على مستوى وزارة الخارجية, وجذب الاستثمار الخارجي خصوصا العربي, وهذا يجعل الرئيس يشرف بحكم خبرته على الجانب الدبلوماسي لوزارة الخارجية وما يشمله من علاقات دولية. رابعا: نظرا لتوزيع السلطة بالشكل المذكور سابقا. وايضا لكون الحكومة جمعت بين اكثر من جيل وجاءت بشخصيات عامة واخرى سياسية هامة فإنها ستمثل قاعدة خلفية لرئيس الجمهورية تتحمل معه المسئولية من ناحية السلبيات وليس من ناحية تحقيق النتائج الايجابية وبالطبع سيكشف هذه التعاون الظاهري ـ ان حدث ـ على تجمع القوى السياسية لاستمرارية الشرعية وذلك يقلل ان لم ينه خطر جماعات العنف والارهاب على الدولة. مستقبل الجزائر اذن مرهون بتحقيق امرين الاول القضاء على الارهاب وتجميع كل القوى في الداخل والخارج ضده, والثاني: التخفيف من ضغوط الجبهة الاجتماعية باتاحة الفرص للاستثمار الخارجي بهدف ايجاد فرص عمل. فبالنسبة للاول فإن التحضير الان قائم على اساس دعم الجانب الامني داخليا وخارجيا وهو ماينتظر تحقيقه على الصعيد العملي بعد 13 يناير المقبل وهو اخر موعد لالتحاق عناصر الجماعات بقانون الوئام المدني, واما الثاني فإن جهودا تبذل على الصعيد العربي والدولي من اجل تدعيم المشاريع الاستثمارية بدت تتحقق منذ انتخاب الرئيس بوتفليقة. لاشك ان هذه الحكومة ستواجه العديد من الصعوبات لانها ورثت وضعا صعبا, لكنها في الوقت ذاته لاتواجه النقد الواسع من القوى السياسية مثلما واجهت حكومة احمد اويحيي الذي استغرب الملاحظون عودته وزيراً للعدل وبدرجة اعلى من الوزراء الاخرين, والتي يطلق عليها في الجزائر (وزير دولة) والواقع ان عودته تثير العديد من الاستفهامات اولها: هل سيترك قيادة حزبه التجمع الوطني الديمقراطي لغيره؟ وهل الفشل الذي اصيبت به حكومته في السابق لايتحمل مسئوليته؟ ثم ما علاقته بوزارة العدل خصوصا وان الرئيس شكل منذ مدة لجنة وطنية لاصلاح العدالة؟ الواقع ان عودة اويحيي في مثل عودة كثير من الوزراء الذين كانوا في حكومات سابقة واثبتوا فشلهم والاسئلة التي تطرح عن اختيار الوزراء في الجزائر لم تعد مجدية لانه لاينتظر ان تحصل على اجابة حتى من الوزراء انفسهم, لان مفهوم الحكومة الوطنية يقضي على اي نقد وتركيز الصلاحيات في يدي الرئيس بوتفليقة تجعل الجميع مجرد منفذين لايختلف احدهم عن الاخر باستثناء قليل من الوزراء الذين لهم علاقة بالاقتصاد وعلى رأسهم (احمد بن بيتور) رئيس الحكومة الذي ينتظر منه الكثير في مجال تخصصه لصالح الجزائر. * كاتب وصحفي جزائري مقيم في مصر