لا أريد أن ادخل في نقاش حول ما إذا كان اليوم (الجمعة) هو آخر يوم في القرن العشرين الذي يقولون أننا نودعه, وأن غدا (السبت) هو أول يوم في القرن الحادي والعشرين الذي نستعد لاستقباله أم لا, لان قول أي شيء الآن لن يجدي حتى لو كان حقيقة مخالفة لكل ما قيل خلال العام كله, فقد تم كل شيء واستقر بعد أن استطاعت العقلية التجارية المسيطرة على العالم الآن وبشكل منفرد ـ تحت راية العولمة ـ أن تقنعنا بصحة ما تريد, ويمكن لتلك العقلية أن تطالبنا غدا بحقيقة أخرى مخالفة ما استقر عليه الوضع بعد إعلانها السابق لنمضي العام كله في الاستعداد للقرن الجديد, ونسقط بالتالي في حبائل المصيدة وننفق ما تبقى لنا من رصيد في البنوك والجيوب في الاستعداد مرة أخرى للقرن الجديد. وكما قال أحد رجال البنوك عندما سألوه عن الرقم الصحيح لهذا العام, أجاب على طريقة المرابي اليهودي الذي لا يقبل التخلي عن فلس واحد مما أقرضه مع حساب الفوائد بالطبع: إذا أردنا أن نتخذ من حساب الأرقام بطريقة حساب المال الذي نقرضه, يصبح العام 2000 مكملا للرقم, أي مكملا للقرن العشرين, وبذلك يكون أول يوم في العام 2001 هو البداية الحقيقية للقرن الواحد والعشرين. إذا كان الجنيه مكون من مئة قرش, فإن هذا الجنيه لا يكتمل حتى يصل العد إلى الرقم (مئة) , والأمر كذلك بالنسبة للدينار المكون من (ألف) فلس, لا يكتمل تمامه حتى نصل إلى الرقم (ألف) , لأنه لا يجوز أن يكون الجنيه (99 قرشا) , أو يكون الدينار (999 فلسا) . أما إذا كان المطلوب أن نبيع اليوم لنكسب ونعود في الغد لبيع الشيء نفسه تحت شعار القرن الجديد, نقول ان العام 1999 هو المكمل للقرن العشرين وأن العام الذي يبدأ غدا بداية القرن الجديد, ثم نعلن أننا سقطنا في خطأ الحساب, وننشر على الناس مايدفعهم إلى البقاء في القرن الذي أعلنا رحيله لينفقوا ما تبقى من أرصدتهم المالية. الحساب على هذه الطريقة يرضي أصحاب البنوك والمحال التجارية والشركات متعددة الجنسية وكل من يهتمون بحساب الأموال, وفي الوقت نفسه يرضي المستهلك أيضا, لأن هذا المستهلك يستمتع في النهاية من خلال امتداد الوقت, فيكون الاحتفال بالقرن خلال عامين متتاليين وليس عاما واحدا, على الرغم من بقاء الحقيقة العلمية التي تؤكد أن العام 2000 هو العام المكمل للقرن العشرين, وأن القرن الحادي والعشرين لن يبدأ قبل الثانية الأولى من بعد منتصف الليل الأول من العام 2001 اقتناعا مني بهذه الحقيقة لن أتحدث عن حصاد القرن العشرين بأكمله كما يفعل البعض, ولكنني سأحاول أن أتحدث عن حصاد العام 1999 الذي نودعه اليوم لنستقبل غدا عاما جديدا في هذا القرن نفسه لا غيره, الذي يصفه البعض بأنه أكثر قرون تاريخ البشرية عنفا ودموية, وإن كان البعض الآخر يرى أن تاريخ البشرية كله دموي, والفارق أنه بفضل وسائل الاتصال الحديثة أصبحنا نعلم اليوم بالمذابح التي تحدث في أقصى أركان الأرض لحظة وقوعها, بل ويمكننا أن نتوقع حدوث تلك المذابح ونتركها تحدث ثم نرفع أصواتنا بالعويل بعد أن يسقط الضحايا, لأن كل شيء محسوب طبقا للأرقام, بل وتنفيذ الشعار العولمة أيضا, لأن بث الحقائق وإخفائها يتم طبقا لقواعد العولمة الاعلامية.العام الذي نودعه اليوم شهد من الحروب وإراقة الدماء ربما ما يزيد على ما شابهه من أحداث خلال العقد الأخير كله, على الرغم من انه بدأ بإشارات إيجابية كان يمكن أن تجعله عام خير وسعادة على بعض البشر, مثل تلك الإشارة الإيجابية التي بدأتها أوروبا هذا العام بإطلاق أول عملة أوروبية موحدة (اليورو) , التي كان يمكن أن تحدث توازنا حقيقيا مع العملة الأمريكية (الدولار) , التي سيطرت على أسواق العملة في العالم طوال عقود. أو تلك الإشارة التي أطلقها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في الخامس من يناير1999 بالسماح للتبادل التجاري الحر والمباشر مع العدو اللدود كوبا, لتكون أول اشارة إيجابية بإمكانية التوصل إلى حل ممكن لمعضلة (الاشتراكية الكوبية) بعد سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي الذي جعل الحياة في جزيرة فيدل كاسترو جحيما لايطاق, لكنه لم يتمكن من إخضاع شعب كوبا كما كان هو مطمع البيت الأبيض منذ فشل عملية غزوها المعروفة بعملية (خليج الخنازير) , وما تبعها من أزمات حادة تجسدت في أزمة الصواريخ. أو استمرار التفاوض ما بين ثوار ايرلندا وبريطانيا لتكوين أول حكومة تضم الثوار إلى جوار النظام القائم, وأيضا بارقة الأمل التي أطلقهتا منظمة (ايتا) الباسكية الانفصالية للحوار مع القوى الديمقراطية في اسبانيا, والتوصل إلى حل عبر الحوار وبعيدا عن الدماء والتفجيرات. أو بارقة الأمل التي عاشها الشعب التشيلي الذي عاش ليشهد محاكمة الدكتاتور الجنرال بينوتشيه الذي حكم بالحديد والنار ولم يترك مقعد الحكم إلا بعد أن أحكم الحصار حول شعبه من خلال دستور يمنحه مراقبة السلطة الديمقراطية من خلف الستار, لكن القبض عليه في بريطانيا ومواجهته مع من عذبهم وألقى بهم في غياهب السجون فتح الأمل أيضا أمام محاكمة أمثاله من الانقلابيين الذين اعتقدوا أنهم بمنأى عن العدالة. كان يمكن لهذا التفاؤل كله الذي بدأته الأيام الأولى من العام الذي نعيش آخر لحظاته اليوم أن يستمر طويلا, لو استمرت وتيرة الأحداث في كوسوفو على حالها بقبول الصرب الحوار حول مصير الأغلبية المسلمة في هذا الإقليم الذي تجسدت فيه الخلافات العرقية, بعد أن كان نموذجا حيا للتعايش طوال قرون. فقد بدأت الشهر الثاني من هذا العام ببوادر حل أزمة مسلمي كوسوفو لكن سرعان ماخاب هذا الأمل -كما خابت الآمال الأخرى ـ تحت إصرار الصرب على القضاء على مسلمي الإقليم باعتبارهم أقلية رغم أغلبيتهم الواضحة, وجاء تراخي الغرب واضحا في مواجهة هذه النظرة الدينية المتعصبة من جانب المسيحيين الصرب تجاه المسلمين, والتي كشفت أيضا عن استمرار المعيار الغربي المزدوج في التعامل مع القضايا التي يدخل فيها طرف مخالف في العرق أو الدين. دموية هذا العام 1999 بدأت واضحة بتوجه الغرب الأوروبي بزعامة أمريكا باعتبارها القطب الأوحد المسيطر نحو استخدام القوة العسكرية ضد من يحاول الخروج على طاعة هذه الهيمنة, وكانت بداية تلك الحلقة الدموية تحت شعار إنقاذ (مسلمي كوسوفو) , ذاك كان الشعار لكن الحقيقة أن حملة حلف الأطلسي لم تكن سوى حملة تأديب ضد من خولت له نفسه التمرد على تلك الهيمنة, وأيضا لفرض الأمر الواقع على روسيا لتقبل أن تقبع داخل حدودها الضيقة المحاصرة بقواعد حلف الأطلسي, وأن تكون مجرد كومبارس على ساحة السياسة الدولية. لأن حملة كوسوفو تمت منذ البداية تحت شعار رفض إقامة دولة مستقلة يمكنها أن تضم أغلبية مخالفة للديانة الأوروبية, تماما كما حدث مع البوسنة التي رفضت دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أي استقلال لها على الرغم من المأساة التي تعرض لها السكان المسلمون هناك, وأجبروهم في النهاية على قبول تعايش مستحيل مع الأقليات الصربية والكرواتية رغم الميراث الذي خلفته عمليات التطهير العرقي في نفوسهم. وهو الشرط الذي لم تضعه أوروبا والولايات المتحدة في علاجها لمأساة تيمور الشرقية, فقد تم استخدام القوة العسكرية لحل الأزمة, تماما كما حدث في كوسوفو ولكن مع فارق واحد, وهو أن للسكان المسيحيين في تيمور الحق في أن تكون لهم دولتهم المستقلة على الرغم من انهم لا يشكلون في النهاية إلا جزءا ضئيلا لو قورنوا بأعداد المسلمين في البوسنة والهرسك أو في كوسوفو الذين يكفي عددهم سكانيا وموقعهم جغرافيا أن تكون لهم دولتهم المستقلة. قبل أن ينتهي هذا العام جاءت مأساة الشيشان لتكون دليلا آخر على معايير النظرة الغربية المزدوجة تجاه المشاكل واتخاذ المواقف ليس على أساس شعارات حقوق الإنسان المعلنة والتي تضمها المواثيق الدولية, بل على أساس المصالح والانتماء فقط, لأن مسلمي الشيشان واجهوا الموقف الذي واجهه المسلمون من قبل في كل من البوسنة وكوسوفو. في الوقت الذي تعترف فيه أوروبا والولايات المتحدة بحق مسيحيي تيمور الشرقية في تشكيل دولة مستقلة بعد انسلاخهم عن الدولة المسلمة إندونيسيا, غير مسموح للشيشان تكوين دولة بعيدا عن سيطرة روسيا المسيحية الأرثوذكسية, لأن السياسة إذا تعلقت بما يخالف عقائد الغرب لها موازين أخرى في وزن الأمور, وما هو مسموح لمن يحمل عقائد الغرب الدينية والسياسية غير مسموح لمن يخالفهم في الدين. هذا الشعار لم يقتصر تنفيذه على أوروبا وأمريكا فقط, بل امتد ليشمل حتى الأمم المتحدة التي أذهلت العالم بالإعلان عن عدم تدخلها في هذه الحرب لأنها طبقا لتقارير منظماتها المتفرعة منها لا تشكل (حرب تطهير عرقية) , وأن المدنيين الهاربين من جهنم الصواريخ الروسية لم (يصل بهم الوضع إلى حد المجاعة مما يتطلب تدخل دولي للمساعدة) (!). بل استطاعت أوروبا والولايات المتحدة أن تقدم للدب الروسي بوريس يلتسين خبرتها في حل الأزمات بالقوة من خلال تجربة كوسوفو, لأنه لولا تلك الخبرة الغربية المتمثلة في تدمير كل شيء ضربا بالطائرات والصواريخ والقنابل الموجهة عن بعد قبل الدخول في مواجهة مع العدو, ما كان يمكن لروسيا أن تحاول حل مشكلة الشيشان بالقوة كما تفعل الآن, لأن تجربة القتال خلال المواجهات الماضية أثبتت عدم قدرة الجندي الروسي على مواجهة رجال القوقاز أبناء الجبال والشمس والمطر.هذه الرؤية للعام الذي نودعه اليوم ليست قاتمة إلى الحد الذي يمكن أن يجعلنا نصفه بأنه عام دموي حافل بالمآسي, بل من خلال الدخان يبرز الأمل أحيانا, ومن خلال دخان القنابل الغازية التي أطلقها بوليس مدينة سياتل الأمريكية برق الأمل في وقف هجمة رأس المال, وبدا واضحا أن ما كان يسميه البعض بالعولمة التي لا رجعة فيها ليس سوى سراب لا تراه سوى عيون الذين يديرون الشركات متعددة الجنسية ويعتبرون البشر مجرد أدوات للإنتاج, وأن مهمة رأس المال هو التراكم وليس تحقيق السعادة. أيضا نجاح المباحثات في ايرلندا الشمالية وجلوس أعداء الأمس وجها لوجه وعلى مائدة واحدة لحل مشاكل اليوم والغد من الأمور الممكنة, وهو ما يمكن أن يكون مقدمة لحل مشاكل إقليمية كثيرة مثل مشكل بلاد الباسك في اسبانيا, وكورسيكا في فرنسا, وحرب العصابات في كولومبيا, وإحلال السلام الاجتماعي في دول عانت كثيرا مثل التشيلي والأرجنتين التي لن تكتمل سعادة مجتمعاتها ما لم يتم محاكمة الجنرالات السابقين مثل بينوتشيه وفيديلا وغيرهم ليكون ذلك رادعا لم تخول له نفسه الوصول للسلطة بالقوة. نظرة واحدة إلى خارطة العالم ونحن نوشك على استقبال آخر عام في (القرن العشرين) , ونستعد خلاله لاستقبال (القرن الحادي والعشرين) بعيدا عن أزمات الألفية الثانية ومشاكله الإلكترونية لا تدعو للتفاؤل كثيرا, ولكن يجب علينا أن نتفاءل إن أردنا أن نحقق جديدا خلال المستقبل القريب. التفاؤل مطلوب رغم قتامة الواقع, وليذهب العام 1999 إلى حاله, وليأتي العام الأخير من الألفية الثانية على خير, ولندع القرن العشرين يكتمل في هدوء, أما الاستعداد لاستقبال القرن الحادي والعشرين فلا يزال أمامه عام كامل. وكل عام وانتم بخير. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا