لعل من اكثر الموضوعات التي طرقها الباحثون والكتاب واشبعوها تمحيصا وتدقيقا ما يتعلق بأسباب تردي الاوضاع العربية وسبل تجاوزها الى اوضاع افضل وصولا الى مستقبل اكثر اشراقا.وفي نظري فإن الامر لا يرتبط بإيجاد طرق واساليب جديدة, او ابتداع وصفات اخرى لتحقيق التقدم العربي , فقد جرب العرب الكثير من المناهج السياسية والقتالية فخاضوا غمار الحرب مع اسرائيل, سواء منها حرب الاستنزاف, او الحرب الكاملة, كما مروا بمرحلة اللا حرب واللا سلم, وبالاضافة الى ذلك, مارسوا تجربة السلام الجزئي مع الدولة العبرية, وفي الماضي تحالف بعضهم مع الاتحاد السوفييتي السابق, وانتهج نهج الاشتراكية بينما صادق بعضهم الاخر الغرب وسار في طريق الاقتصاد الحر. ومن جهة ثانية فقد اقام العرب الوحدة وكذلك الاتحاد ثم انفرط عقدهما واصبح في ذمة التاريخ مخلفين وراءهما استمرار التجزئة والانفصال, كما انهم عقدوا مؤتمرات قمة, وجربوا التضامن وسياسات المحاور والتكتلات والتجمعات وغير ذلك وهذا كله مع ما تحقق من تقدم في بعض اوجه حياتنا لم يوصلنا الى شيء وبقيت احوالنا المتداعية على ما هي عليه, واعتقد ان سبب هذا يعود الى ان التطور لم يطال البنية الاساسية لمجتمعنا, والتي تمثلها شخصية الانسان العربي, فهذه الشخصية تخضع لعادات وطرق تفكير خاطئة ومتخلفة, تنعكس في نهاية المطاف وفي المحصلة الختامية, على الاوضاع السياسية والقومية, فحتى نغير هذه الاوضاع نحو الاحسن, علينا ان نعيد بناء شخصية الانسان العربي, بشكل يتخلص معه من ادران التخلف والعقلية الجامدة, ويصبح قادرا على مواكبة مستلزمات الحضارة الحديثة, وتطور الفكر الانساني. وأحد العناصر الهامة في عملية اعادة البناء المقترحة تخليص الفرد من بعض مواقفه واتجاهاته وعاداته الضارة والاستعاضة عنها باتجاهات جديدة ذات مضمون عملي مفيد للمجتمع وللمصلحة العامة, ولنضرب على ذلك بعض الامثلة المختصرة, فالانسان العربي على نحو عام سواء في حياته اليومية العادية, او في نقاشه السياسي او في تعامله مع الآخرين, يميل الى الانفعال والغضب , ومثل هذه المواقف الانفعالية البحتة, لا يمكن ان تؤدي الى نتائج عملية مفيدة فهي تضر بأجهزة الجسم ضررا جسيما من الناحية الصحية, كما انها تساعد على ضياع الحقيقة وانعدام المنطق فالانفعال الزائد والحماس المفرط يسدان منافذ التفكير السليم ويوصدان باب الحكمة ويفتحان الطريق امام التهور والطيش. والاجدى من ذلك ان يتبنى الانسان العربي مواقف جديدة تقوم على العقلانية والمحاكمة والتحكيم بحيث يتم اتخاذ القرارات بهدوء وتؤدة عن طريق اعمال الفكر والاحتكام الى العقل وحده, واستلهام المنطق السليم, بعيدا عن الضوضاء الانفعالية التي لا توصل الى شيء. ومن المواقف السيئة الاخرى ان نجد انسانا يريد ان يسمع صوته عن طريق خنق اصوات الآخرين, بدلا من جعل صوته اهلا للسماع, او ان يعلي مكانته بواسطة التقليل من انجازات الآخرين والمس بسمعاتهم واشاعة الاقاويل ضدهم بدلا من ان يقوم بأعمال تقود الى علو منزلته ورفعة شأنه وبتعبير آخر فإن المطلوب من الانسان العربي اذا اراد ان يرفع نفسه الى اعلى, ان يفعل ذلك عن طرق العمل والانجاز لا عن طريق محاولته انزال الآخرين الى الاسفل. ومن المواقف التي يمكن ادانتها ايضا لجوء الانسان العربي الى الاكثار من اقوال والقاء المواعظ والترنم بالمبادىء السامية والتغني بالقيم النبيلة, دون ان يقابل ذلك افعال موازية واعمال مناظرة, وبتعبير آخر, فبدلا من انسان يقول الكثير ولا يفعل إلا القليل نحتاج اليوم الى انسان عربي معاصر يفعل الكثير ولا يقول إلا القليل ويتبع ذلك ايضا عادة المبالغة في المجاملات الاجتماعية الفارغة من المضمون العملي, فتجد احدهم يرحب بك كل الترحيب كلما لقيته ويطنب في مديحك ويحرص على حضور كل المناسبات المتعلقة بفرحك وحزنك وعندما تحتاجه في امر ما, قد يتهرب منك ولا يبدي لك المعروف إلا ضمن الحدود التي تناسب مصلحته, والمطلوب من الانسان العربي ان يتخلى عن المداهنات الاجتماعية والحرص الشديد على كسب الناس عن طريق المبالغة في اظهار المودة والمحبة والتفاني. وان يستعيض عن ذلك بالتعامل النزيه والمستقيم مع الآخرين وباسداء المعروف وتقديم العطاءات الفعلية الملموسة للوطن وللاقارب والاصدقاء. ويتفرع عن المثال السابق عادة ذميمة اخرى تتجلى فيما يلجأ اليه احد الناس من تملق وتزلف وادعاء بالاجلال لشخص ما, وهو يتقلد منصبا هاما, ثم الانقضاض والابتعاد عنه لدى فقدانه منصبه, وهذا ضرب من النفاق الاجتماعي المكشوف الذي يجب استبداله بسلوك جديد يقوم على التعامل الموضوعي النقي الذي يقدر الشخص الآخر لذاته ولشخصه ولمنجزاته لا لمنصبه. ومن تقاليدنا السلبية تمسكنا بأفكار ونظرات بالية واصرارنا عليها مهما قامت من براهين على عدم صحتها, فالكثيرون من العرب يحملون في اذهانهم آراء ثابتة حول قضايا مختلفة وهم يصرون علىها اصرارا عجيبا, حتى لو اثبت الزمن عدم توافقها مع الواقع العملي ومن مثالبنا الخطيرة ايضا عدم احترام رجال السياسة العرب لآراء خصومهم فهم يلجأون الى كيل التهم لهم وتخوينهم وتصويرهم وكأنهم خارجون على القانون ومعادون لمصلح الوطن مع ان اختلافهم معهم كثيرا ما ينجم عن مجرد (خلاف في الرأي) و(تباين في تقويم الاحداث السياسية) لذلك لابد من الاعتياد على فتح ابواب الحوار بين الخصوم السياسيين العرب, وعملهم على الالتقاء في منتصف الطريق والوصول الى حلول وسط في المواقف. هذه مجرد امثلة بسيطة سقناها وقد لا تكون افضل الامثلة والعبرة الحقيقية ومربط الفرس ليسا في مضمون هذه الامثلة بحد ذاتها بقدر ما هو في دلالاتها ومغازيها ومؤشراتها فهي تدل على ان في شخصية الانسان العربي ثغرات يجب ردمها وهذا لا يتم إلا اذا كشفنا النقاب عنها واقرينا بها ودعونا الى مواجهتها. واذا اخذنا كلا من العادات السابقة على حدة فإن أضرارها قد لا تكون قاتلة ولكن تراكم المواقف الخاطئة واستمرارها بوتيرة يومية هما اللذان يقودان الى اوخم العواقب في نهاية المطاف وعلينا ان نلاحظ ان ما ذكرناه لا يعني ان شخصية الانسان العربي تخلو من الايجابيات والنقاط المضيئة, ولكننا ركزنا على السلبيات وصولا الى تشخيص المرض, وتمهيدا لعلاجه من اجل تحقيق تقدم اجتماعي يقود الى مستقبل سياسي افضل. * كاتب سوري