اما آن الأوان للقيادة الفلسطينية ان تتوقف وتتفكر كي تعترف لنفسها بأن تفاوضها مع اسرائيل قد يتواصل الى ما لا نهاية دون ان يتحقق اي حد ادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية؟لمدى ست سنوات منذ توقيع اتفاق اوسلو لم تتغير الاستراتيجية التفاوضية الاسرائيلية... وهي استراتيجية قوامها الاساسي تفتيت القضايا المتفاوض عليها الى جزئيات ثانوية ضئيلة في عملية الاخذ والرد بين الجانبين المتفاوضين تمهيدا للمماطلة عن طريق اعادة التفاوض عندما يحين الموعد المضروب لتنفيذ جزئية اتفق عليها سلفا. وعلى هذا المنوال فان حصيلة نحو ست سنوات من التفاوض لم تحقق حتى الآن للفلسطينيين ما يمكن اعتباره اختراقا في شأن الاقرار الاسرائيلي بالسيادة الفلسطينية على الارض المحتلة في غزة والضفة او اي جزء منها. بناء عل هذه الحقيقة فانه ليس من غير المعقول ان تكون الاستراتيجية الاسرائيلية غير المعلنة هي إبقاء معظم الاراضي المحتلة تحت السيادة الاسرائيلية بصورة مغلفة عن طريق تمديد عملية التفاوض العقيم الى ما لا نهاية وليس من غير المعقول ايضا ان نستنبط ان هذا الخط التفاوضي الاسرائيلي اعتمدته الدولة اليهودية بناء على استقرائها للاستراتيجية التفاوضية الفلسطينية ومرتكزاتها. ان الاستراتيجية الفلسطينية صارت لمدى السنين الاخيرة واضحة المعالم والتقاطيع حتى لغير الدبلوماسيين المحترفين. المرتكز الاساسي لهذه الاستراتيجية هو الاعتماد على استعداد امريكي مفترض لممارسة ضغط على اسرائيل كلما ابدت مماطلة عند منحنى معين. وعلى سبيل تقوية هذا المرتكز فان الرئيس عرفات يلجأ من حين لآخر الى مصر والاردن ـ الدولتين العربيتين المرتبطتين بمعاهدة سلام مع اسرائيل وتحالف سياسي مع الولايات المتحدة من اجل ان يحشد حجته امام واشنطن. لقد فشلت هذه الاستراتيجية عمليا فشلا كاملا بل ان فشلها كان محتوماً منذ البداية لانها تقوم على فرضيات خاطئة. والفرضية الاساسية هي ان الولايات المتحدة هي القوة العظمى التي تعتمد عليها اسرائيل بحسابات الحياة او الموت اقتصاديا وسياسيا. هذه الفرضية اسطورة خرافية. العكس هو الصحيح في الحقيقة. فاجهزة صنع القرار العليا في الولايات المتحدة من البيت الابيض الى الكونجرس بمجلسيه عبورا بالامبراطورية الاستخباراتية كلها تخضع للنفوذ المالي اليهودي داخل بنية الاقتصاد الامريكي, وبالتالي النفوذ السياسي للمنظمات اليهودية الامريكية. وعليه فان السياسات العالمية الامريكية وما يتبعها من تحركات وقرارات ترسم وتنفذ كما يريد لها يهود امريكا. وعلى هذا الاساس فان اسرائيل هي التي تقرر السياسة الامريكية تجاه الشرق الاوسط لا العكس. وبناء على ذلك فان الحكومتين العربيتين الحليفتين للولايات المتحدة, مصر والاردن لا حيلة لهما إزاء احداث اي تأثير على سياسات واشنطن. وتبقى حقيقة اضافية نطرحها كتساؤل الى اي مدى يمكن لمصر والاردن الدخول في مواجهة ما مع اسرائيل من قبيل الانتصار لحقوق الشعب الفلسطيني؟ ان ما يعرفه الجميع بما في ذلك اسرائيل هو انه في كل الاحوال لن تلجأ اي من الدولتين العربيتين الى اشعال حرب ضد الدولة اليهودية لان كلا منهما مكبل بمعاهدة سلام. وليس من الوارد اطلاقا حسب الشواهد الراهنة ان تقرر مصر او الاردن تهديد اسرائيل بنقض معاهدة السلام. بناء على هذه المعطيات آن الآوان لأن يتوقف عرفات ورفاقه عن الركض لمراجعة حساب الربح والخسارة. واذا فعلوا ذلك فان الحقيقة المحورية الاولى التي ستكون ماثلة امامهم هي ان المفاوض الاسرائيلي ليس على عجل لانه لا يرى اي عصا. كل ما يراه او يسمعه هو مناشدات ترتفع احيانا الى مستوى احتجاجات. ولا شيء اكثر. ما الذي اذن يمنع الاسرائيليين من ممارسة رياضة التفاوض الفارغ العقيم لمدى عشر سنوات او عشرين سنة او مئة سنة؟!