أذكر ان احد مدراء الادارات, واثناء احدى المحاضرات حول ممارسات الجودة الادارية, ذكر في معرض حديثه شيئا عن التواصل الضروري بين المؤسسة وعملائها, واهمية معرفة رأيهم في الخدمات التي تقدمها لهم, وقد حصر هذه القضية تحت عنوان خطير وهام هو: احترام الرأي الآخر ذاكرا من جملة آليات تنفيذ هذا المبدأ وضع صندوق للشكاوى والاقتراحات في مدخل المؤسسة . صندوق الشكاوى او الاقتراحات ظاهرة عرفناها يوم كنا طلبة في المدرسة ولم نتجاوب معها يوما ليقيننا بعدم فائدتها هكذا كنا نفكر في تلك الايام, وقد كان مما نوه اليه هذا المدير ان احدا من عملاء المؤسسة او المترددين عليها لم يتجاوب مع فكرة الصندوق لان الادارة لم تلحظ وجود رسائل شكاوى او اقتراحات طوال فترة وضع الصناديق! وقد تساءل المدير يومها عن السبب؟! لنفكر معا: لماذا لم تتجاوب الجماهير المتعاملة مع هذه المؤسسة مع صندوق الشكاوى والاقتراحات؟ ولنكن صرحاء مع انفسنا قليلا: فمن منا يفكر فعلا بأن يكتب شكوى او اقتراحا او ملاحظة على خدمات المؤسسة او الدائرة او حتى الجمعية التعاونية التي يتبضع منها, ثم يقدمها بكل ثقة واطمئنان لهذه الادارات عبر الصندوق؟ لنعترف بصوت عال, لا احد يفكر في ذلك الا فيما ندر!! اما لماذا؟ فهو السؤال الاكثر اهمية في القضية كلها, فاذا اجبنا عنه, فقد لا نحتاج الى صناديق شكاوى وملاحظات بعد ذلك ابدا. القضية في مجملها تنحصر في مبدأ (احترام الرأى الآخر) الذي تحدث عنه مدير الادارة, والعمل بما جاء في رسائل الشكوى او الاقتراح, أما ان نضع هذه الصناديق كجزء مكمل لديكور المكان ولايهام الجماهير بوجود ادارة تحترم اراءهم وتهتم باقتراحاتهم بينما الحقيقة شيء آخر, فلا شك ان الجماهير ذكية وتعرف الكثير مما يدور وراء الكواليس, ولذلك فهم لا يتجاوبون. ان احترام الرأى الآخر, احد اكبر المبادىء في تاريخ البشرية لانه جاء عن طريق صعب جدا بذل فيه اناس واجيال حياتهم ودماءهم وخلاصة فكرهم وتجاربهم, ومن هنا فهو لايمكن ان يتحول الى شعار استهلاكي او جملة في شريط اعلاني لمؤسسة او دائرة, انه منهجية عمل تستقر في اذهان مسئولي الادارات وفي اذهان موظفيهم وكل فرد يعمل في المؤسسة التي تدق صندوقا احمر اللون عند مدخل المؤسسة يسمى (صندوق شكاوى). كيف نريد من الجماهير والعملاء ان يصدقوا ان هذه المؤسسة تؤمن وتحترم اراءهم وستنصفهم في شكاواهم طالما لايستطيعون بسهولة ايصال شكواهم للمسئول مباشرة وطالما يترددون لانجاز معاملة لا تحتاج لاكثر من يوم فيفاجأون بأنهم انتهوا منها بعد سعي استغرق شهورا؟ كثيرون يخافون او يترددون كثيرا امام موضوع الشكوى لانهم يعرفون نتيجة هذه الشكوى سلفا, والنتيجة ستنعكس سلبا على معاملاتهم ومصالحهم, وكثيرون يتعاملون مع هذه الشكاوى بحساسية مفرطة وهذه الحساسية تدفع اصحابها لتصرفات انتقامية من الشاكي احيانا, للاسف نحن من الشعوب التي تربت على الا تفتح فمها, والفرد منا منذ كان طفلا تربى على الا يتحدث في حضرة الكبار لان ذلك (عيب) والا ينتقد امرا لان ذلك (ضد الذوق) ولايبدي استياءه لان في ذلك تهمة هي (سوء الادب والاخلاق) .. وعندما يكبر الفرد تحت مظلة ممنوع النقد وممنوع الكلام فمن الطبيعي ان يتعامل مع صندوق الشكاوى على انه شكل من اشكال اختراق قانون العيب الذي تربى عليه. مشكلتنا ليست في صندوق الشكاوى, مشكلتنا في عمق التنشئة المليئة بالثغرات والتي شكلتنا في نهاية الأمر.