ينتهي عند منتصف الليلة عام وقرن وألفية معا, فأما الألفية فهي زمن ممتد وطويل من التاريخ والاحداث عاشته البشرية اجيالا بعد اجيال واحقابا بعد احقاب وعصرا بعد عصر وقرنا بعد آخر, مما لا يمكن حصره الا بمقدار ما يمكن حصر بحر شاسع واسع في زجاجة, فنبقى مع العام والقرن, لأن الذاكرة يمكن ان تسعهما لا الكتب وحدها. فأما العام فهو في شحوب الاعوام الاخرى السابقة التي شخبت فيها دماء كثيرة على هذه الارض, من كوسوفو إلى الوطن العربي ايضا علاوة على حوادث مؤسفة وكوارث طبيعية وعمليات عنف ارهابية, فالعام بهذه الحوادث من اعوام الثمانينيات والتسعينيات واستكمالا لها, مع ما فيه من منجزات علمية واقتصادية وسياسية في الوقت نفسه لا يمكن نكرانها. وشخصيا أرى على صعيد الوطن العربي تحولات ايجابية نرجو استمرارها وتطورها لكي ندخل القرن بروح جديدة فعلا قادرة على النماء والتطور والاستقرار, من الهدوء والسكينة إلى حد ما في الجزائر بانتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا إلى بعض الاشارات المهمة في منطقة الخليج نحو التحول التدريجي إلى الديمقراطية والمشاركة وصولا إلى استئناف المفاوضات السورية الاسرائيلية وقرب احلال السلام وليس انتهاء بحال وئام وطني وشيك في السودان. ثم هناك ثلاث وفيات حدثت خلال العام لملوك ورؤساء وامراء, في الاردن والمغرب والبحرين, دفعت بقيادات شابة من الاسر الحاكمة إلى سدة المسئولية وباشرت عمليا اصلاحات ملموسة وتحسينات في العلاقات العربية العربية, ومع ذلك فان الحال بعد في الوطن العربي على اكثر من صعيد لا يسر الخاطر, على الصعد الاقتصادية والاجتماعية, حيث التحديات اكبر من الطاقات, والمخاطر اكثر من الاستعدادات, فنرجو من الله مع ستر الاحوال, الامن والسلامة, فالقرن المقبل قرن العلوم والاقتصاد, وحظنا منهما اليوم صفر على اليمين وآخر على الشمال. النتيجة من الصفر طبعا ان اصبحنا على مشارف القرن الجديد صفرا بين العالمين, فاذا كنا بدأنا القرن الحالي الذي سوف يصبح الماضي بعد منتصف الليلة تحت وطأة الاستعمار والتمزق والتخلف, وشهدنا بعد ذلك حالات من المد والنهوض والتحرر والاحلام, فقد عدنا من حيث بدأنا ونحن اكثر تمزقا وفرقة وتخلفا وضياعا وتواضعا في الاحلام, وها نحن يدق علينا القرن الجديد أبوابنا مستسلمين تماما لارادة الآخرين ومنصاعين لما تجلبه الايام, انصياع سفينة متكسرة الالواح لأمواج البحر, فلا ترجو سوى النجاة من الغرق. ولن ننجو من الغرق قطعا اذا اهملنا العلم ولم تتفق كلمتنا وتتوحد طاقاتنا ولم نحترم مواطننا فنشركه في الرأي والقرار ولم نكن في مستوى ما يواجهنا من تحديات اقتصادية وعلمية, ومن هنا فاننا نشير إلى بعض هذه التحولات الايجابية باتجاه تكوين أسس للمشاركة باعتبارها من اهم احداث عامنا المنصرم, فنتمنى ألا تنتهي الحقبة الأولى من القرن الواحد والعشرين إلا والديمقراطية ظللت العالم العربي كله من مشرقه إلى مغربه, فمن دونها لا يمكن ان نحلم بنهضة أو مكانة بين العالمين. ولن نزيد القارىء حرقة وألما وهو يودع عاما من عمره وقرنا من عمر العالم, بما فيه العالم العربي, فهو أعرف بما هو فيه, غير أننا نذكر بأن عالمنا العربي قضى نصف قرنه الثاني يعالج سرطانا اسمه اسرائيل فلم يتمكن من استئصاله, لعل العرب يستطيعون خلال النصف الاول من قرنهم الجديد, القضاء عليه أو تحجيمه بالعلم والمعرفة, فهما دواء علل المستقبل, لا السلاح, وإلا فان القرن ينتهي وفي القلب غصة, اسمها فلسطين.