مازال بضع مئات من المقاتلين الشيشان في جروزني مسلحين بأسلحة قتال فردية يبدون مقاومة أسطورية في مواجهة هجوم ما يزيد على مائة ألف جندي روسي يستخدمون أحدث وأثقل وأقسى أنواع الأسلحة, ومع ذلك يهدد الروس بمزيد من استخدام أسلحة التدمير الشامل غير عابئين بمصير أكثر من 40 ألفاً من المدنيين مازالوا محاصرين , ودون اي تفكير بحل سياسي منطقي يحترم الإنسان والعصر وسمعة ومستقبل روسيا نفسها قبل مستقبل الشعب الشيشاني الذي بات موزعا بين مقاتل وقتيل وجريح ومشرد. ورغم ذلك كله تبدو روسيا حتى الآن عاجزة عن حسم الصراع مع منطقة تصر على اعتبارها (جزءًا من الاتحاد الروسي) ولو أدى ذلك إلى تدميرها وإفنائها عن آخرها وعلى من فيها, وكل ما تفعله هو المزيد من إراقة الدماء على مذبح غرور القوة. وفي هذا الاتجاه عبر الجنرال (أناتولي كورنكوف) قائد سلاح الجو الروسي عن غيظ شديد ومنطق غير معقول, وهو يهدد عبر (وكالة انتر فاكس الروسية) باستخدام (أسلحة تدمير أشد فعالية من تلك التي استخدمت حتى الآن للقضاء على المتمردين) !! ثم وصف المقاتلين الشيشان بأنهم (قتلة لن يستسلموا) ولذلك تتعين إبادتهم والقضاء عليهم لأنه (ليس من حل آخر) !! ترى ما هي الأسلحة التي ستستخدم بعد القذائف الفراغية التي يزيد وزنها على نصف طن, والصواريخ الثقيلة, وسحابات الغاز الكيماوي التي غطت سماء جروزني أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة؟ وأي انتصار هذا الذي ستحققه روسيا على جثث عشرات الآلاف من الضحايا فضلا عن مئات الآلاف من المشردين هم البقية الباقية من شعب الشيشان الذي كان عدد سكانه مليونا من البشر وانخفض الآن إلى أقل من سبعمائة ألف نسمة, وهل من المعقول ان يعود الشيشان جزءًا من الوطن الروسي بعد كل هذا الدمار والقتل؟ لن تجد هذه الأسئلة على الأغلب إجابات راهنة من قبل القيادة الروسية الساعية إلى الاستئثار بالكريملين على حساب الضحايا الروس والشيشانيين في حرب مهلكة يخسر فيها الطرفان خسارات لن تعوض, وعلى الأغلب ستستمر قيادة (يلتسين ـ بوتين) بالتصعيد واستخدام كل ما تستطيعه من ترسانة الدمار الشامل طالما ان الضمير العالمي ميت, وطالما ان رؤوس النظام الدولي يديرون مصير العالم بمنطق الصفقات المشبوهة ولو أدت لدمار الانسان والأوطان. لكن روسيا ستكتشف أخيرا أنها خاسرة حتى ولو انتصرت, وان الذين يسكتون عن سلوكها من القوى الكبرى لا يعبثون بمصير الشيشان, فقط وإنما بمصير روسيا نفسها.