هناك قصيدة ذاعت لويليام شكسبير يقول مطلعها متسائلا: من هي سيلفيا .. ما حكايتها؟ نفس التساؤل نطرحه في مستهل هذا الحديث ولكن حول قضية لا علاقة لها بالشعر ولا بويليام شكسبير:ما هو الطريق الثالث الذي يتحدثون عنه بكثرة في هذه الايام .. وما حكايته ؟ نبادر فنقول أن العالم عبر تاريخه شغل كثيرا بحكاية (الثالث) هذه سواء كان سلوكا أو فلسفة أو كان نهجا أو سياسة.. الا ترى مثلا أن الفيلسوف الاغريقي أرسطو تحدث عن هذا الطريق الثالث وخلع عليه وصف الوسط الذهبي حيث الفضيلة عند المعلم القديم هي الوسط (الثالث) بين رذيلتين بمعنى أن يكون الكرم هو الطريق الثالث بين السرف والتقتير (وكان بين ذلك قواما) كما يقول التعبير الاسلامي, وبمعنى أن توزن فضيلة الشجاعة هي النهج الثالث بين نهج أول هو التهور أو الرعونة الطائشة ونهج ثان هو الخور أو الجبن وسقوط الهمة؟ دور حركات التحرير وعند منتصف الخمسينيات بدأ العالم يلتمس في مضمار السياسة الدولية طريقا ثالثا لاسيما بين ثنائية الاستقطاب التي آلت إليها أحوال العالم ومصائره منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية, وبعدها جاء منتصف القرن العشرين ليشهد الانقسام وهو الانفصام الحاد في الكرة الأرضية الى معسكرين الأول هو الرأسمالي (الغرب) بزعامة الولايات المتحدة, والثاني هو الشيوعي (الشرق) بزعامة الاتحاد السوفييتي. يومها كان قد أشتد ساعد حركات التحرير التي كانت وطنية قومية مستقلة في الجوهر عن كل من المعسكرين, ويومها عقدوا مؤتمر الحياد الايجابي وعدم الانحياز في باندونج التي شهدت ميلاد ذلك الطريق الثالث في السياسة الدولية, وهو طريق عدم الانحياز وقد هاجمه دالاس وزير خارجية أمريكا أيامها واصفا إياه بانه عمل غير اخلاقي إذ المطلوب في رأيه أن تنحاز الى هذا الطرف أو ذاك .. فيما وصفه يوما الزعيم العربي عبد الناصر بأنه الطريق أو النهج أو المجموعة التي تمثل ضمير البشرية باعتبارها العالم الثالث المتطلع الى الحرية والنمو والتنمية الشاملة, وأيا كانت الاوصاف بين الشانئين والحامدين فقد بدأ العالم يتعامل مع مجموعة لا كتلة عدم الانحياز على أنها نهج ثالث بين الشيوعية والرأسمالية تشق طريقها وتؤكد وجودها الفعال وسطا ذهبيا حسن التعبير الارسطي بين جمود موسكو وجموح واشنطن كما قد نقول. ولكن عندما جاء عقد الثمانينيات بدأت ظاهرة الاستقطاب الثنائي تتداعى ثم تهاوت تماما بعد انهيار سور برلين عام ,1989 ومن ثم بعد زوال الاتحاد السوفييتي وجودا ونظاما وقطبا في السياسة الدولية, مما أفضى بداهة الى استمرار القطب الرأ سمالي الذي ما لبث أن تحول في نهاية القرن كما نشهدها حاليا الى القطب الاوحد الذي يمثل تجسيدا بل تكريسا لمقولات النهج الرأسمالي و اقتصاد السوق وقوانين المنافسة على أساس العرض والطلب وتهميش دور الدولة وتوخي الربح مقياسا أوحد للنهج.. ولكن عندما جرت ترجمة ابعاد هذا النهج الى وصفة اصطنعها صندوق النقد الدولي واراد تعميم تجربتها وتطبيقها على اقتصادات العلم وعلى أممه وشعوبه وأقطاره, كانت النتيجة مزيدا من الآلام والمعناة لتلك الأمم والشعوب وخاصة في أقطار العالم الثالث التي تمر مجتمعاتها كما هو معروف باطوار ومراحل النمو المختلفة والمتوالية فل اشهدت تحولات تجارية ولا ثورة صناعية ولا تقدما يذكر في مضمار العلم والتكنولوجيا ولا نموا ناضجا ورشيدا لقوى بورجوازية وسطى مارست البناء, وهو على أسس القوانين الرأسمالية, في مجتمعاتها ومن ثم فقد ظلت تلك المجتمعات في العالم الموصوف بأن الثالث تراوح بين مراحل اقطاعية وأحيانا بدائية من تطور المجتمع البشري وبين اطلالة هنا وهناك على مجتمعي القرن التاسع عشر أو العشرين, بمعنى أن تتسع لمواقع بل بقع موضوعية محدودة تنعم فيه بثمار التقدم التكنولوجي عينات طبقية أو شرائح اجتماعية محدودة وأحيانا تتمتع بقشرة من تقدم مصطنع أو من رخاء مستور تغطي واقعا اجتماعيا شديد التخلف متعثر النمو عاطل من حيث التنمية بل غارق في مرتبة المديونية وعاجز على تلبية الاحتياجات الاساسية للغالبية العظمى من أبنائه الذين يحلم شبابهم بالهجرة حلا لمشاكل الاحباط في بيئاتهم الطاردة, ويعيش مخضرموه في اطار تهميش أي استبعاد عن أي ثمار قد تجود بها محاولات التنمية أو قد تعود جدلا من جراء المعونات الخارجية وقد أدى هذا كله الى تصدع البنى الاجتماعية واهتراء النسيج الاجتماعي بما كان يكفله من تكامل أو اتساق أو تجانس.. وفي ظل هذه البيئات العشوائية المتصدعة المفعمة بمشاعر الاحباط ومرارة الاحساس بالتهميش والاستبعاد كان من الطبيعي أن تولد سلوكيات العنف ولا مبالاة الجريمة وتيارات الارهاب وتلك الهمسات التي اتصفت بها بصورة أو بأخرى العقود الثلاثة الختامية من القرن العشرين. نهرو ناصر تيتو وكم استبدت بالعقود التي سبقت من القرن المذكور ثنائية اليمين واليسار, وهي الترجمة الايدولوجية لثنائية الاقطاب أو الكتلتين أو المعسكرين الرأسمالي والشيوعي (أو الاشتراكي). صحيح أن حركة عدم الانحياز ودعوة العالم الثالث وقد تبناها الثلاثي التاريخي من الزعماء نهرو وعبد الناصر وتيتو نادت بشق المسار الثالث بين اليمين واليسار خاصة وقد كان المصطلحان يعيبهما التعاريف المطاطة الانتهازية في بعض الاحيان كما يشوبهما ذاتية النظرة وقصور التفسير حيث كان يعبر عن هذا الموقف السؤال الذي كثيرا ما عدنا الى طرحه في فترات الاشتغال والانشغال العقائدي منذ عنفوان الستينيات: من يقف على يسار من أو من نعده على يمين من؟ بمعنى من نعتبره أكثر تقدمية من سواه الرأسمالي الذي ينادي بحرية السوق ثم يكفل حرية المشاركة للمواطنين؟.. أم الشيوعي الذي ينادي بتأمين المواطنين واشباع احتياجاتهم ثم يحتكر دونهم السلطة ويحولهم الى مجرد تبع أو مطلق مستهلكين؟ لذلك كان مطلوبا أن يعمل الفكر العالمي وأن تصل المدرسة السياسية في عصر ما بعد الايديولوجيات عصر ما بعد الاتحاد السوفييتي إلى شعار أو مبدأ يتم من خلال تجاوز مقولة: اليمين واليسار بكل ما كان يعتريها من تقسيم متعسف للدول والنظريات والنظم السياسية الى رجعي وتقدمي, خاصة وقد حدث تداخل كان محتوما بين الجانبين في ضوء ما تطورت معه أحوال عالم التسعينيات من القرن العشرين, بمعنى أن النظم الرأسمالية (في بلد مثل إنجلترا) لم تكتف فقط بحكاية قوانين السوق ولا دعت الى استقالة الدولة تماما من الحياة الاقتصادية للمجتمع بل حرصت على أن تبقي على مظلة التأمينات الاجتماعية والصحية التي كانت الدولة ومازالت تسهر على ادارتها وتطويرها بوصفها واحدة من ثمار القطاع العام. في الجانب الآخر من المعادلة, نجد أن بلدا يأخذ بالاشتراكية (مثل النمسا في وسط أوروبا والسويد في شمالها) يكرس دور الدولة الحامية الفاعلة في مضمار الحياة الاقتصادية الاجتماعية, ولكنه يأخذ بكل مظاهر وشارات ومؤسسات الديمقراطية الرأسمالية بمعنى تكريس التعددية وتوسيع آفاق المشاركة بالانتخابات المفتوحة الحرة واطلاق حرية التعبير في الميديا على اختلاف توجهاتها لم يعد طريق اليمين (الأول) مسلكا مرسوما أو محتوما, ولا عاد كذلك طريق اليسار (الثاني) مسلكا يحمل بالحتم شعار التقدمية أو العدالة. الحاجة الى طريق ثالث هنا ظهرت, وبالحاح, الحاجة الى طريق ثالث لا يقف محايدا أو سلبيا أو حتى بوصفه مجرد خيار بديل مطروح بين اليمين واليسار.. بل الى طريق ثالث يتجاوز اليمين واليسار كما اسلفنا ويلبي احتياجات مجتمعات العالم وهي تخطو الى القرن الحادي والعشرين وسط تحديات ظاهرة وسطوة المؤسسات المتعددة الجنسيات والشركات غير الوطنية (وبعضها يفوق لبعض الدول عدة وخبرة ونفوذا). ومثل كل الدعوات أو الطروحات المستجدة, وخاصة في مجالات التنظير الفكري, كان طبيعيا أن تطرح دعوة الطريق الثالث في سوق الاجتهاد كي تواجه مصيرها بين التشكيك أو الرفض أو التحفظ أو التساؤل أو القبول, ولا بأس .. فتلك هي الوسيلة المثلى وربما الوحيدة لبلورة مثل هذه المقولات التي وفدت على الاسواق الفكرية في عالم اليوم وقد سبقت الى هذه الاسواق مقولات وطروحات مازالت تغطس وتطفو وتخضع لنقاشات ومراجعات شتى, مقولات من قبيل نهاية التاريخ بسقوط الشيوعية وانتصار الرأسمالية (فوكوياما مفكر أو منظر الخارجية الأمريكية) أو صدام الحضارات أو بالادق الصدام المتوقع بين الغرب والآخرين (ذي وست آند ذي رست كما انذر به هنتنجتون استاذ علم السياسة والحكم في هارفارد). مطلوب بلورة الجديد على أن أطروحة الطريق الثالث ظلت تتأرجح وتتذبذب بين موجات وفورات السوق الفكرية .. إلى أن رست منذ أشهر قليلة عند صخرة كفلت لها بدايات التبلور المطلوب والمنشود وكانت الصخرة عبارة عن وثيقة رسمية في اطار منظومة الوحدة الاوروبية, باسم توني بلير رئيس وزراء بريطانيا وجيرهارد شرودر مستشار ألمانيا. خرجت الوثيقة الهامة الى النور في شهر يونيو الماضي وحملت عنونا بالغ الدلالة يقول: أوروبا : الطريق الثالث. أو كما يعبرون بالالمانية (داي نيو ميتي) ومفتاح هذه الوثيقة هو التفاؤل بالمستقبل انطلاقا من حفاوة الحاضر الواقع الذي سجلت فيه الوثيقة ظاهرة وصول أكثر من حزب اشتراكي ديمقراطي في أوروبا (الغربية بالذات) الى سدة الحكم أو إلى دوائر النفوذ أو بالقرب منها على نحو أو آخر. وفي هذا المضمار تقول الوثيقة: لقيت الديمقراطية الاجتماعية قبولا جديدا .. ولا يرجع هذا الا لأنها فيما حافظت على قيمها التقليدية, فقد شرعت بمصداقية مشهودة في تجديد أفكارها وتحديث برامجها, ثم انها حظيت بهذا القبول لأنها لا تقصر همها فقط على الوقوف بجانب العدل الاجتماعي بل تتعدى ذلك الى حيث الاحتفال بالديناميكية الاقتصادية ومن ثم فسح السبيل كي تنطلق قوى الابداع وعناصر الابتكار الجديد. أين الحرية في الوثيقة من ناحية أخرى هناك من يعمد الى خفض درجة التفاؤل التي انطلقت منها وثيقة الطريق الجديد, ومن هؤلاء المفكر البريطاني اللورد زالف داهرندوف الذي نعى على تلك الوثيقة انها تكاد تغفل جانب الحرية وانها تستغل ما آلت إليه أحوال ونفسيات جماهير الناخبين في أوروبا وقد عاشت كل مراحل الاضطراب التي واكبت تحولات اليمين واليسار وتابعت بل عايشت انهيار صرح كان يظن أنه شامخ واعد وطيد اسمه المنظومة الاشتراكية, التي كان يقودها ويسهر عليها الكرملين السوفييتي الذي كان. ويأخذ اللورد داهرندورف أيضا على حكاية الطريق الثالث أنها لم تبلور افكارها التأسيسية بعد ومن ثم فهي مازالت في رأيه حمالة أوجه كما قد نقول في مصطلحاتنا الفقهية في عالم العروبة والاسلام: الكل يدعي وصلا بليلاها, والكل قد يجد فيها ما يؤيده أو ما قد يروق له أو ما قد يناسب مواقفه أو تطلعاته. مشروع بلير ورؤية كلينتون وليس أدل في رأي الكاتب البريطاني على عدم وضوح رؤية الطريق الثالث من أن هناك من يقول ان المسألة برمتها لا تعدو أن تكون (مشروع بلير) أو (أفكار بلير) لا أكثر, بمعنى أنها مجرد رؤية توافرت بصورة أو بأخرى لدى رئيس وزراء بريطانيا واراد أن يستهل بها جموع الناخبين وكان أن طرح شعاره الشهير الذي خاض به الانتخابات التي ركب موجتها في طريقه الى مقاعد الحكم في 10 داوننج ستريت في لندن وهذا الشعار هو: حزب العمال الجديد أو العماليون الجدد أو الفكر المجدد لحزب العمال البريطاني (نيو ليبر). ولقد نضيف الى ما ذهب اليه اللورد البريطاني أن مشروع بلير هذا قد تفاعل مع رؤية أخرى تفاعلت وتبلورت على الجانب الآخر من المحيط الاطلسي فيما يمكن أن تسميه بدوره (مشروع كلينتون) والتسمية طبعا من عند كاتب السطور فالامريكان قوم برجماتيون واقعيون عمليون وقد لا تروق لهم التسميات ذات الايقاع الايدولوجي, لكن الحاصل أن الرئيس كلينتون قد ذهب بفكر الحزب الديمقراطي في أمريكا الى شطآن طموحة من المناداة, بدور فاعل للدولة في ضمان عدم استبعاد أو تهميش فئات وشرائح اجتماعية معينة مثل المرأة المتزوجة بالذات أو السود أو المهاجرين أو الاسر العائلة لأطفال أو حتى للأطفال أنفسهم وهم يدرجون على أولى سنوات الدراسة المنتظمة في سلم التعليم أو المرضى أو كبار السن. والمسألة ليست ببساطة مجرد مشاعر رومانسية أو نوازع المروءة الخيرية هبطت فجأة على روح وجدان السيد كلينتون بقدر ما أنها محاولات ودعوات ذكية أريبة للتواصل مع أوسع قواعد الناخبين في أمريكا - وفتح دوائر للتأييد الانتخابي في الحال وفي الاستقبال وخاصة بين قطاعات تستشعر بالتهميش أو الاستبعاد في المجتمع الأمريكي المعاصر ما بين السود والمهاجرين وكبار السن او المرضى.. (ليس أدل على فجاعة هذا النهج ما كانت تؤشر عليه نتائج استطلاعات الرأي العام التي كانت دوما في صف بيل كلينتون اذ كانوا يشوونه على سفود المحاكمة في دوائر الكونجرس. والمسألة أكبر من مجرد رؤى أو حتى أطماع أو مشاريع أو تكتيكات سياسية لهذا الزعيم أو ذاك. مسألة الطريق الثالث بحاجة الى فهم وتحليل أعمق وبحكم ما قد تؤثر به على مسارات السياسة العالمية مع حلول القرن الجديد فإلى الجزء الاخير من هذا الحديث ان شاء الله. ملحوظة مهمة: هذا الجزء يؤخذ داخل أطار في قلب الموضوع وكم استبدت بالعقود التي سبقت من القرن المذكور ثنائية اليمين واليسار, وهي الترجمة الايدولوجية لثنائية الاقطاب أو الكتلتين أو المعسكرين الرأسمالي والشيوعي (أو الاشتراكي).