الولايات المتحدة حريصة على وحدة السودان وسلامة اراضيه. هكذا اعلن وزير الخارجية المصري عمرو موسى في حديث طويل هذا الاسبوع محوره (تطور جديد) في الموقف الامريكي تجاه قضية جنوب السودان. فالى اي مدى يتطابق هذا الحديث مع الواقع ؟ يلاحظ اولا ان الوزير يقول ضمنا انه استقى هذه المعلومة المستحدثة من خلال اتصالات مع المسئولين الامريكيين حول الوضع في السودان وصفها بأنها ايجابية, وحتى لو افترضنا الدقة في نقل الرواية فانه لم يصدر عن واشنطن حتى الان ما يمكن ان يفيد بأن هناك تغييرا في الموقف الاستراتيجي الامريكي تجاه الحرب في جنوب السودان سواء بالقول او الفعل. وفي كل الاحوال ومرة اخرى اذا افترضنا الدقة في نقل الرواية فان القول بأن الولايات المتحدة حريصة على وحدة السودان وسلامة اراضيه قد يكون قولا بلا مضمون حقيقي, وبالتالي ليس جديدا. فالسياسة العملية التي ظلت واشنطن تنتهجها تجاه جنوب السودان هي اصرار على استمرار الحرب لأجل غير مسمى بغرض ابقاء الشمال العربي السوداني في حالة شبه شلل عن طريق الاستنزاف الاقتصادي المستمر. وربما يؤدي ذلك في نهاية المطاف الى انفصال جنوب السودان عنوة او اضطرار النظام الحاكم في الخرطوم الى السماح بفصله, وتكون الولايات المتحدة في هذه الحالة قد حققت تقسيم السودان دون ان تقول صراحة ان هذا هو هدف سياستها الاستنزافية. ولذا فانه عندما يقال ان الولايات المتحدة حريصة على وحدة السودان فان هذا ليس معناه احداث تغيير جذري في موقفها الراهن تجاه القضية. والموقف الامريكي الراهن تجاه الحرب في جنوب السودان ليس موضع تخمين او استنتاج فهو معلن كخطوط سياسية عامة ومرئي على الارض. فمن الناحية الاعلانية فان المسئولين الامريكيين ظلوا يرددون اعلاميا بمناسبة وبدون مناسبة ان الولايات المتحدة تدعم حركة قرنق في قتالها ضد قوات الحكومة السودانية. اما على الصعيد التطبيقي فان واشنطن رصدت العام الماضي مبلغ 20 مليون دولار لشراء اسلحة لقوات الحركة. واعقبت ذلك باعلان تقديم امدادات غذائية منتظمة لقوات الحركة بغرض (تحسين قدرتها القتالية ومساعدتها على الاحتفاظ بالمناطق التي احتلتها في جنوب السودان) . اما عن الدعم الدبلوماسي والدعائي الامريكي لحركة قرنق فحدث ولا حرج. هذا هو الموقف الامريكي كما نراه وكما نسمع عنه من المسئولين الامريكيين انفسهم وابرزهم وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت. ولا يمكن الاحتجاج بأنه موقف مستحدث كرد فعل على قيام (نظام ارهابي اصولي) في الخرطوم لان الموقف الامريكي ظل كما هو عليه في عهد الحكم الحزبي ومن قبله عهد المشير سوار الذهب. والى ان يتغير هذا الموقف بصورة تطبيقية وعملية فانه لا يمكن الحديث اطلاقا عن (تطور جديد) في السياسة الامريكية تجاه قضية جنوب السودان. وعندما يأتي الحديث عن تطور جديد في هذا السياق من القاهرة فانه ليس بلا مبرر. فالحكومة المصرية تلقي بثقلها الدبلوماسي الاقليمي والعالمي لمعارضة اي صيغة لحل مشكلة جنوب السودان يمكن ان تفضي في النهاية الى احتمال انفصاله, وربما تكون واشنطن قد (طمأنت) الحكومة المصرية بأن السياسة الامريكية المعتمدة ليس هدفها فصل الجنوب. وربما تكون القاهرة قد اكتفت بهذا (التطمين) . لكن هل يؤدي هذا (التطمين) الى وقف الحرب في الجنوب؟ هل تتوقف امريكا عن الدعم العسكري والغذائي والدبلوماسي لحركة قرنق؟ ان هذه هي نوع الاسئلة التي تهم السودان بصفة خاصة, فالسودانيون الذين عانوا ويعانون من معضلة الجنوب لمدى 44 عاما حتى الان لن يعرفوا اية طمأنينة الا اذا توقفت الحرب نهائيا. واذا ارادت القاهرة ان تساعد السودانيين في هذا الصدد فان المطلوب هو ان ترفع امريكا يدها فعلا لا قولاً عن جنوب السودان.