لو ترك الله أمر هذا القرآن للناس, لضاع منذ زمن بعيد, بين اهمال الناس ونسيانهم, وبين تحريفهم وتبديلهم, تماما كما حدث لبقية الكتب السماوية التي لم تسلم من تسلط نوازع البشر وأهوائهم, ولكن الله وعد سبحانه وتعالى بحفظ القرآن منذ أنزله وحتى اللحظة التي يرث فيها الأرض ومن عليها, وكان وعد الله حقا . (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ولأجل هذا الحفظ واحقاقا للوعد, فقد يسر الله لكتابه رجالا يعكفون الليل ويقضون النهار في تلاوته, وتدبر معاني آياته واحكامه, كما يسر له قلوبا خاشعة تحفظه, وسخر له مجاهدين يحملونه إلى أصقاع الدنيا وإلى بلاد لا نكاد نعرف عنها شيئا. تسعة وستون متسابقا بين طفل لم يتجاوز السابعة وشاب مكتمل الرجولة, تقاطروا على دبي من 66 دولة في العالم ضمن جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم, بعض هذه الدول لم أسمع بها من قبل, وبعضها أعرفه وان كنت لا أميز موقعه على الخريطة, بينما يندس بعض هذه الدول في غياهب أفريقيا, أو في أقاصي المحيطات, ومع ذلك فقد جمعهم كلام الله, وأتى بهم سعيا لمسابقة هي أعظم ما تم تنظيمه والدعوة إليه في عالم المسابقات, حيث لا أزكى ولا أنفع من الحث على تعلم القرآن والانفاق على متعلميه وتشجيعهم واعانتهم. ان مشهد الصبية الصغار وهم يرتلون القرآن على الوجه الذي تابعناه, ليملأ النفس رهبة وخشية, كما يدفعها لتأمل هذه الظاهرة, ظاهرة هذا الدين الذي تجاوز الأمكنة والأزمنة ليدين به بشر من كل أنحاء الدنيا, وما ذاك إلا اعمال للوعد الحق (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). ولقد سخر الله هذا البلد الطيب, وهذا الشيخ الكريم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي, للعمل في قافلة المجتهدين لرفع شأن حفّاظه وعلمائه صغارهم وكبارهم, وكم كان مهيبا ذلك الموقف الذي بدا فيه الطفل الصغير ذو الثانية عشرة من عمره والحائز على المركز الاول في المسابقة وهو يقف بين يدي سمو الشيخ محمد بن راشد ضئيلا نحيلا وربما مرتجفا من صدمة الموقف والفوز بالجائزة الاولى, وقد بدا سموه مبتسما مبتهجا وهو يقبل الطفل بحنو وعطف ظاهرين, فسبحان الذي سخر الطفل لحفظ القرآن, وسبحان الذي سخر الشيخ الكريم لبذل كل هذا المال في سبيل هذا القرآن. ما لفت النظر في نتائج المسابقة انها توزعت على القارات كلها, لكنها ايضا جاءت خالية من متسابق واحد من دولة الامارات, وفي هذا اشارة واضحة لاتخفى على المعنيين من اولياء الامور ومعلمي التربية الاسلامية ومسئولي التعليم في بلادنا وكذلك المعاهد الدينية المتخصصة. وفي الحقيقة لاندري لماذا اختفى نهائيا ذلك الشكل القديم لتعليم القرآن في الكتاتيب او (المطوع) كما نسميه نحن هنا, ألأنه شكل قديم يتناسب مع تطور التعليم النظامي الحديث؟ ام لأن معلمي القرآن من (المطاوعة) قد اختفوا من مشهد الحياة العامة؟ اعتقد بأن جائزة دبي للقرآن الكريم تدق الجرس عاليا لاعادة بعث مدارس القرآن, سواء اكانت منفصلة عن المدارس الحكومية العامة او مستقلة مسائية مثلا لمن يرغب في الاستزادة, ولقد حان الوقت لنتباهى بحافظ للقرآن على مستوى العالم, كما نتباهى بوجود لاعب كرة قدم ورسام ومطرب و .. الخ, مع ان حافظ كلام الله اعلى مقاما ومنزلة من الجميع.