كل ما نعيش اليوم ونحياه هو من ثمرات القرن العشرين, الذي يصح أن نطلق عليه قرن العلوم والصناعة, فما تم اختراعه وتطويره واكتشافه في هذا القرن, يفوق عشرات الأضعاف ما تم اختراعه عبر تاريخ البشرية كلها عدداً, أما من ناحية النوع, فما تحقق كان الى وقت قريب ضرباً من الخيال والخرافة . وصحيح أن هناك اكتشافات ومخترعات علمية كانت لها جذور في القرون الماضية, كاكتشاف الجاذبية على يد اسحاق نيوتن ومحاولات سبقتها على أيدي علماء وصناعيين وغيرهم, الا أن هذه قليلة مقارنة بما تحقق في القرن العشرين المنصرم حالياً, اذ أن ثمة فتوحات فعلية مذهلة تحققت في العلوم والطب والفضاء والاتصالات, نعيش بعض ثمراتها اليوم وسوف يقطف آخرون ثمرات أخرى لها في القرن الجديد, بعد تطوير هذه المكتشفات والنظريات ووصولها مجال التحقق والتنفيذ, كتطور هندسة الجينات وتخليق الأعضاء وغير ذلك كثير. فمن اختراع اللاسلكي والراديو الى غزو الفضاء واقامة محطات فيه وسبر أغوار الكون, هناك مئات من المكتشفات التي غيرت وجه البشرية وعلاقاتها ونقلتها الى مرحلة مختلفة تماماً من الحضارة المادية, سواء باختراع أجهزة منزلية مساعدة كالغسالات والأفران وأجهزة التكييف والتبريد والتجميد والحفظ وغيرها, أو باختراع وتطوير وسائل النقل والمواصلات, من السيارات الى الطائرات مروراً بالقطارات السريعة والشاحنات والسفن العملاقة والاتصالات السلكية واللاسلكية والليزر, وكل من هذه فتح الافاق أمام مزيد من الأجهزة الاخرى, كالترانزستور والهواتف النقالة والتلفزيونات عابرة القارات وما الى ذلك كثير. طبعاً أهم اكتشاف في العصر كله هو الكهرباء, لأن بقية المخترعات لم يكن الوصول اليها ولا تشغيلها ممكناً من دون كهرباء, فاذا أضفنا الى الكهرباء اكتشاف النفط والطاقة بكميات تجارية, حلت محل الطاقة البخارية وطاقة الفحم والطاقة الميكانيكية, يكون النفط عملياً هو أساس حضارتنا اليوم ومحور حياتنا, فمن غيره ربما لم نكن نصل الى المستوى الذي وصلنا اليه, اذ لا توجد مدينة أو قرية أو مصنع أو منزل أو تجمع بشري ما يمكنه الاستغناء عن كهرباء مصدرها الأساسي اليوم هو النفط. غير اننا نبقى مع الفتوحات العلمية الحقيقية المذهلة, دون أن نبخس بقية المكتشفات والمخترعات حقها, فمجموع هذه اليوم هي ما يمثل حضارة القرن العشرين, ومن هذه الفتوحات اكتشاف الالكترون والذرة, فالتفجير النووي الذي يستخدم اليوم لتوليد الطاقة الذرية, ثم هبوط الانسان على سطح القمر, وصولاً بالطبع الى عمليات زراعة القلب والأعضاء واطفال الأنابيب والاستنساخ (دوللي الشهيرة) وليس انتهاء بالفياجرا, آه هل ننسى الفياجرا؟ طبعاً بين كل فتح من هذه الفتوحات وآخر هناك عشرات من المحطات العلمية المذهلة, وهناك مئات من التطورات الضخمة فيما سبق من اكتشافات, فالراديو مثلاً تحول الى تزانزستور صغير والتلفزيون صار ملوناً والطائرة صارت نفاثة تعبر المحيطات في ساعات والهاتف صار جوالاً, حتى دخلنا عصر الكمبيوتر, فنستطيع اليوم ان نتسوق عبر الانترنت من منازلنا. ولن تستطيع زاوية ان تحصي مخترعات قرن كامل تعجز عنه قواميس, غير أننا نختم بملاحظة هي: ان هذه المخترعات والمبتكرات والفتوحات غربية على الاجمال, وتحديداً أمريكية أكثر من أي منطقة جغرافية اخرى باستثناء أوروبا واليابان التي شاركتها في فتوحات علمية ونافستها على اخرى, ما صبغ القرن كله ببصمات أمريكا والغرب, ضاعت معها قطعاً بصمات شعوب شرقية كانت فيما مضى من قرون مصدراً للحضارة والعلوم, من بينهم العرب, واأسفاه! عبدالحميد أحمد