عندما اطل القرن العشرين برأسه, كانت البلدان العربية واقعة تحت السيطرة الاجنبية, حيث الدولة العثمانية تسيطر على بلاد الشام والعراق, وامتدادا الى معظم الجزيرة العربية وليبيا, فيما كانت الدول الاوروبية تسيطر على مصر والسودان وبلاد المغرب العربي, ووحدها بريطانيا انفردت بالسيطرة على سواحل الجزيرة العربية. اما المساحات القليلة التي كانت خارج السيطرة الاجنبية, فقد كانت مساحات هامشية ومهمشة, حيث انه لم يكن قد تم بعد اكتشاف اهميتها الاستراتيجية وخاصة ما تحتويه من نفط وغاز وثروات اخرى. وبسبب من واقع الحال العربي انذاك لم يكن هناك اي مستوى من العلاقات العربية ذات الطابع الرسمي, وكل ما كان قائما من علاقات عربية هي علاقات شعبية متداخلة بين البلدان والاقاليم, وبين المدن والقرى, وبين الجماعات السكانية المختلفة, وهي علاقات كان يسمح بها واقع الامتدادات العربية السكانية والجغرافية, ذلك انه لم تكن قد قامت فيما بين الدول العربية حدود سياسية على نحو ما هو قائم حاليا. وبطبيعة الحال, فان تلك العلاقات لم تكن تسير بصورة منتظمة او باستقامة واحدة, بسبب تقلب الاهواء والارادات للجماعات المحلية المختلفة, واحيانا بسبب التدخلات من جانب القوى المسيطرة والمتنفذة في المنطقة العربية. غير ان الواقع العربي السائد حينذاك خلق مستويين من التجانسات في العلاقات العربية, وهو ما سوف يتجسد في نشاطات النخب العربية لاحقا بقيام تقارب للنخبة الاسيوية العربية, وقد تبعه بعد وقت قليل تقارب للنخبة الافريقية العربية, دون ان يعني ذلك انقطاع وقطيعة بين النخبتين اللتين ظلت القاهرة ودمشق تشكلان قوة جذب وربط لهما وفيما بينهما. ورغم ما احاط بالعلاقات العربية في مستواها الشعبي من تأثيرات محلية واقليمية, فقد كرست تلك العلاقات في الواقع العربي مجموعة من النتائج, ابرزها,السعي الى الوحدة, وتكريس روح التضامن بين العرب في مواجهة التدخلات العدوانية من الخارج, والمشاركة في الانشطة الوطنية والقومية في البلدان والمناطق المختلفة, وهي نتائج يمكن تلمسها في الاحداث الرئيسية التي شهدها المشرق العربي بين الحربين, ولا سيما في فلسطين, وكذلك في الاحداث التي عاشها المغرب العربي بعد الحرب العالمية الثانية خصوصا في الجزائر. ومهدت الحرب العالمية الاولى لظهور الكيانات السياسية, وشهدت محاولة العرب الأولى لاقامة دولتهم الموحدة في العصر الحديث من خلال اعلان ثورة الشريف حسين في مكة عام ,1916 وفي مشاركة عرب القسم الاسيوي في الحرب الى جانب الحلفاء الذين كانت مخططاتهم ابعد من مجرد تحالف مع العرب وموافقة على اقامة دولة عربية وصولا الى اقتسام النفوذ في بلاد الشام والعراق, وهو ما عرف لاحقا باتفاق سايكس ـ بيكو البريطاني ـ الفرنسي والمتضمن اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان من تأثير النضالات الوطنية للنخب العربية في المشرق, وترافقا مع تطورات اقليمية ودولية, ان اخذت تتكون الدول العربية الحديثة, وتأخذ طريقها الى الاستقلال, وهكذا ومع نهاية الحرب العالمية الثانية, كانت سبع دول قد ظهرت في الخريطة السياسية العربية, وهي العراق وسوريا ولبنان والاردن والمملكة العربية السعودية واليمن, ووضعيتها في اطار مؤسسة عربية واحدة هي جامعة الدول العربية, والتي انضمت اليها لاحقا وبشكل متتابع الدول العربية عند حصولها على الاستقلال. وطبقا لميثاق الجامعة العربية الذي تم توقيعه في العام ,1945 فان اطار العلاقات العربية, قام على اساس التوجه الى الوحدة العربية, والاساس في ذلك تعاون يقوم بين البلدان في شتى المجالات وبخاصة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية, وقد كرست مواثيق واتفاقات تم توقيعها في اطار الجامعة ومنظماتها المتخصصة فكرة التعاون بين البلدان العربية, غير ان التطبيقات غالبا ما كانت اقل من المأمول, وهو ما تشارك الدول العربية كلها في الشكوى من نتائجه, لكن كل واحدة تشكو من امر غير الذي تشكو منه الاخرى, مما مهد لظهور مؤسسة القمة العربية, والتي كان بين مراميها التصدي لمسئولية تطوير العلاقات العربية وتنميتها في اتجاه المصلحة العربية العليا والمشتركة. وكان انعقاد القمة العربية الاولى في الاسكندرية بداية عام 1964 بمثابة تحول مهم في العلاقات العربية, اذ وضع القضايا والموضوعات المشتركة امام اصحاب القرار مباشرة, وجعل امكانية اتخاذ القرارات بصددها امرا واقعيا, وهذا ما حدث بالفعل في موضوعات القمة الاولى والتي كان موضوع القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الاسرائيلي اساس اعمالها وتمت متابعته في القمة الثانية التي انعقدت في القاهرة بعد اشهر من الاولى في العام ذاته. ثم دخلت القمة العربية الثالثة التي انعقدت في الدار البيضاء اواخر 1965 الى جانب معالجتها لتطورات القضية الفلسطينية في موضوع اكثر حساسية, وهو العلاقة فيما بين الدول العربية, واقرت ميثاق التضامن العربي الهادف الى تحقيق تضامن الدول في التصدي لمعالجة القضايا العربية, واحترام سيادة كل دولة, وعدم التدخل في شئونها الداخلية, واقرت وقف الحملات الاعلامية بين الدول واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك في محاولة مكشوفة لتحسين الاجواء العربية, والتي كانت بدأت تتلبد في العلاقات العربية ـ العربية. لقد كانت القمة العربية الثالثة محاولة يقوم بها الزعماء العرب من اجل ايجاد اطر لعلاقات ثابتة فيما بين دولهم ومن اجل تعزيز السياسات المشتركة, غير ان وقائع ما بعد القمة الثالثة, اكدت الشك في ذلك, حيث لم تعقد القمة الرابعة والتي كان من المقرر عقدها في الجزائر اواخر العام ,1966 لكن حرب اسرائيل على الدول العربية في العام 1967 وهو الذي اقر اللاءات المعروفة: (لا اعترف, لا مفاوضات ولا سلام) مع اسرائيل. كما اقر خطة عربية لدعم الدول المتضررة من عدوان اسرائيل. وقد سجلت قمة الخرطوم سابقة خطيرة في القمم العربية, وهي مقاطعة احدى الدول العربية للقمة, حيث رفضت سوريا المشاركة في القمة, وهو ما كرس نهجا في المقاطعة بلغ ذروته في قمة فاس اواخر عام ,1980 عندما قاطعت سوريا والجزائر ولبنان وفلسطين واليمن الجنوبي القمة العربية ولعله المؤشر الاكثر وضوحا للتردي اللاحق للعلاقات العربية, والتأكيد العملي لغياب القمم, الا في حالات استثنائية, والحالتين بين مزايا العقدين التاليين من العلاقات العربية. غير ان التردي في العلاقات العربية تجاوز المقاطعة الى الانقسام, ثم الى المواجهة, والامر في هذا كان شديد الوضوح في حربي الخليج الاولى والثانية, حيث انقسم العرب في الموقف من الحرب الايرانية ـ العراقية الى طرفين, ثم انقسموا الى معسكرين في الموقف من اجتياح القوات العراقية للكويت في العام 1990 وتاليا في الموقف من الحرب الدولية ضد العراق عام ,1991 وبذلك ترسخ الانقسام في الصف العربي, واصبح السمة العامة للواقع العربي, ومع الانقسام ضعفت بل آلت الى الغياب اشكال العمل العربي المشترك في اطار جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة, كما غابت مؤسسة القمة العربية, حيث لم تستطع جهود متعددة من جانب قادة ودول, جمع القمة العربية رغم الظروف السياسية والاقتصادية والامنية المتردية والتي تحيط بالعرب شعوبا ودولا. ولم يكن التردي في العلاقات الرسمية هو الشكل الوحيد لتردي وتدهور العلاقات العربية, بل ان التدهور غاص في اعماق العلاقات الشعبية, فغابت اشكال التضامن الشعبي العربي, والتوجهات الوحدوية, وتأسست علاقات تنافس واختلاف وتناقض وصراعات مكشوفة في مستويات شعبية على نحو ما حدث في الاردن بين الفلسطينيين والاردنيين, وكذلك ما حدث في اعقاب اجتياح الكويت بين الكويتيين والعراقيين, والمسئولية الاساسية في هذه التحولات هي مسئولية الحكومات العربية وسياساتها القطرية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالدرجة الاولى.