باستئناف مسار التفاوض الاسرائيلي السوري, فتحت الآفاق امام استراتيجية باراك التفاوضية, فقد بدأ رئيس الوزراء الاسرائيلي عهده بمغازلة دمشق وبيروت, وتسليط الاضواء على احتمال اعادة الدفء الى مساري التفاوض السوري واللبناني , وبعد بضعة اسابيع انتقل الرجل الى تركيز مكثف على المسار الفلسطيني ونظرا لما يعتمل في الحقل العربي من افتقاد للتنسيق وللثقة ايضا, فقد كانت النتيجة ان عجل اصحاب المسار الفلسطيني باتفاق (واي 2) . كان (واي 2) هزيلا ومفعما بالتفصيلات المملة, وبتوقيعه فلسطينيا على ما فيه من عيوب, اثبت باراك للداخل الاسرائيلي انه اجدى للمصالح الاسرائيلية العليا من سلفه الموصوف بالجلافة التفاوضية بنيامين نتانياهو. كيف لا, وقد حمل للاسرائيليين اتفاقا جزئيا صدق فيه الجانب الفلسطيني على كل ما رفضه في عهد نتانياهو, وازاح عن كاهل الدولة اليهودية عبء العزلة الاقليمية والدولية وسوء السمعة التي انتجها ذلك العهد؟ وبينما كان المفاوض الفلسطيني يجأر بالشكوى من تلكؤ فريق باراك في تنفيذ استحقاقات (واي 2) وتلاعبه بالخرائط والمضى في سياسات الاستيطان وبراءة المفاوضين في عينيه, التفت الاخير مدعوما بالدبلوماسية الامريكية المراوغة النشطة الى المسار السوري. وهذا التصرف لا يضاهيه إلا السلوك القتالي الميداني لرجل عسكري, وقوامه مناوشة احدى الجبهات العربية لاشغالها تكتيكيا, بينما يتم توجيه الهجوم المركز على جبهة اخرى, وطالما ان الجبهتين لا يصل بينهما ود وأنهما تتحركان وتفاوضان والقطيعة ثالثتهما, فقد تصورت الدبولماسيتين الاسرائيلية والامريكية القدرة على تطويعهما معا. وقد برزت علائم التمكن الاسرائيلي من اذكاء الفتنة بين المسارين السوري والفلسطيني من الشكوك التي تلصصت في احاديث الكواليس ثم اطلت جهرة بمجرد استئناف المسار السوري, فتصريحات الارتياح والاستبشار بـ (السلام الشامل) التي رددها المسئولون الفلسطينيون, لم تقنع المتابعين بحقيقة ردود الفعل الفلسطينية المتوقعة جراء تجدد الاشتباك التفاوضي على المسار السوري. وبمرور قليل من الوقت صارت المخاوف المتطورة من اهمال متزايد للمسار الفلسطيني حقيقة لا خيالا, فمن ناحية استمرت ازمة هذا المسار بشقيه الفرعيين, المرحلي والنهائي بفعل الازاحة الاسرائيلية لهما عن جدول اولويات التفاوض, ومن ناحية اخرى انغمس الراعي الامريكي في المسار السوري متواطئا مع التكتيك الاسرائيلي في ترتيب هذه الاولويات. وكانت آخر دلائل هذا المشهد تأجيل باراك لاجتماع كان مقررا مع الرئيس الفلسطيني في 19 ديسمبر ثم غياب تفصيلات مجريات المسار الفلسطيني برمته في زحمة الانشغال بالمسار السوري, وبدلا من الانشغال باخبار الازمات التقليدية على المسار الفلسطيني راح المعنيون يتطلعون الى اخبار اخرى من واشنطن. ولكن ما الذي يسمح للمفاوض الاسرائيلي بتمرير استراتيجيته وتكتيكاته طالما ان عملية التفاوض تتم بين شركاء كثر, يفترض ان لديهم بدورهم ما يؤثرون به؟ السبب في تقدير اي منصف, هو افتقاد الشركاء الآخرين فعلا لزمام المبادرة بحيث يبدو باراك وقد امسك بخيوط العملية التفاوضية يحركها في الاتجاه والتوقيت الذي يعنيه وفق مصالحه كيف يشاء. على ان للمسار الفلسطيني استحقاقاته الزمنية التي تطارد الطرف الاسرائيلي. فما يفصلنا عن فبراير 2000 المحدد في (واي 2) لاعلان اتفاقية اطار التفاوض على ما يسمى بالحل النهائي للقضية الفلسطينية لا يتعدى مدة الشهرين. وثمة في (واي 2) ايضا مواقيت للوفاء بالتزامات معينة اخرى.. وهذا ما يدعو الى احتمال تسخين هذا المسار في القريب. والحكمة هنا ان الطرف الاسرائيلي الذي اتفقنا على انه قابض على قلب العملية التفاوضية على مختلف المسارات لدية مصلحة يقينية في الالتفات الى هذه المواقيت, ومن خبرة استراتيجية هذا الطرف التفاوضية يمكن الزعم بزن هناك هجوما وشيكا منه على الجبهة الفلسطينية والتوقيت الانسب لهذه الانعطافة هو ذلك الذي تتصور فيه الدبلوماسية الاسرائيلية انها قادرة على تحقيق مكاسب على جبهتي التفاوض السورية والفلسطينية معا. والواقع ان المسار الفلسطيني ربما كان مؤهلا اكثر للانصياع لهذا التكتيك, فتجميد هذا المسار لفترة, ثم الاقبال عليه, قد يغري مفاوضيه الفلسطينيين بالعمل بنظرية (تحصيل ما يمكن تحصيله قبل ان تعود قضيتهم الى التبريد) لقد جربت الدبلوماسية الاسرائيلية هذه الآلية ونجحت فيها من قبل. السؤال الملح والحال كذلك: كيف السبيل الى درء مخاطر استراتيجية باراك شبه العسكرية في التعامل بيد طليقة بين المسارات التفاوضية؟ في تقديرنا ان فرص احداث قطيعة في ديمومة نجاح هذه الاستراتيجية لم تفت بعد, رغم اضمحلالها يوما بعد يوم.. ليس هنا موضع الافاضة حول هذه الناحية, ولكن اي طرف مفاوض عليه تلمس سبل التأثير بأقصى ما يستطيع. فالطرف الفلسطيني مثلا, يملك ما ينقض فكرة انه اضعف الاطراف في عملية التسوية الجارية. وضمن الخطوط التي يمكنه التحرك في اطارها للنيل من تقاليد باراك التفاوضية ما يلي: 1 ـ ان يوقن المفاوض الفلسطيني بأن قضيته مازالت هي لب استمرارية الصراع الصهيوني العربي او تسكينه, وان احتمال تجاوز هذه القضية مع الوصول الى سلام مستقر في (الشرق الاوسط) امر في حكم المستحيل. 2 ـ ان المفاوض السوري دأب على معالجة قضية التسوية مع اسرائيل بسياسة النفس الطويل, وانه اذكى واعمق خبرة من الخضوع لتكتيك التلاعب بالمسارات الذي تنتهجه عقلية باراك اليوم, ومن حكم قبله في تل ابيب بما ينبغي ان يطمئن المفاوض الفلسطيني. 3 ـ ان سلاما سوريا اسرائيليا ولبنانيا اسرائيليا لن يجري بمعزل عن قضايا حيوية تخص المسارين الفلسطيني (اللاجئين مثلا) ومن ثم فإن اسرائيل معنية قسرا بمواقف المفاوض الفلسطيني من هذه القضايا, بما يقود احتمالا للعمل بفكرة تلازم المسارات. 4 ـ ان التنسيق الفلسطيني السوري اللبناني اهون على الاطراف الثلاثة واكثر استجلابا للظهير العربي العام, رسميا وشعبيا, من التوغل في التفاوض الانفرادي مع الطرف الاسرائيلي والفكرة هنا ان اسرائيل ليست ولن تكون ارحم بالمفاوض الفلسطيني من رفقاء النضال القدامى مهما بلغ مستوى التأزم معهم. 5 ـ ان الطرف الفلسطيني بالذات ليس لديه ما يخسره مجددا ان هو ابدى تمنعا على التنازل, واثار امته واستنجد بها من طغيان المفاوض الاسرائيلي واستعصم بالشرعية الدولية الفلسطينية في مواجهة التحالف الاسرائيلي الامريكي. لا نحسب على كل حال ان هذه الخطوط هي غاية ما يؤمل نصيحة الطرف الفلسطيني به للخروج من المتاهة التفاوضية التي صنعها باراك وشريكه الاستراتيجي, الولايات المتحدة , فالمفاوض الذي يفتقر الى البدائل والقدرة على مفاجأة الطرف الآخر, يفتقد حتما الى واحدة من ابرز خصائص التفاوض عموما. * كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة