ما سر التفوق الاسرائيلي على العرب؟احدث اجابة على هذا السؤال المحوري جاءت من اكاديمي اسرائيلي مرموق اورد اسبابا محددة وقطعية هي: ان الدول العربية التي كانت تتزود بالسلاح من الاتحاد السوفييتي لم تجد بدائل للتزود بالسلاح بعد انهيار الدولة العظمى السوفييتية . ان اسعار النفط العالمية في حالة من الهبوط منذ نهاية السبعينيات رغم استقرارها حاليا, وبالتالي لاتمتلك الدول العربية الاموال اللازمة لتحسين قواتها المقاتلة. ان العراق كرقم عربي يخضع لعقوبات دولية وليس قادرا على اعادة بناء آلته العسكرية. انه تم وقف نشاط المتطرفين الاسلاميين في البلدان العربية بما في ذلك اراضي السلطة الفلسطينية. ان هذه الاعتبارات التي لخصها (شاي فيلدمان) مدير (مركز جافي للدراسات الاستراتيجية) ) التابع لجامعة تل ابيب يمكن الاضافة اليها بنقاط ذات طبيعة تفصيلية, لكن لايمكن في تقديري الطعن في موضوعيتها, فهي مستخلصة من صميم الواقع المرئي. ومع ذلك يبقى سؤال: هل هي اسباب جذرية؟ ان الاسباب التي اوردها هذا الاكاديمي الاسرائيلي تتعلق اساسا بميزان القوى العسكري, وبناء عليها فان الدول العربية حتى لو اجتمعت قد يكون محكوما عليها سلفا بالهزيمة اذا دخلت الآن او في المستقبل القريب حربا ضد الدولة اليهودية, ولكن رصانة الامم لاتقاس بالهزيمة العسكرية وانما بتقبل الانهزام ذهنيا ونفسيا حتى يغدو حالة استسلام شعوري. بناء على هذه القاعدة فان اسباب التفوق الاسرائيلي على الامة العربية اعمق جذورا واعظم شأنا من ان ترد الى اعتبارات سلبية, مالية او عسكرية تواجهها الدول العربية ظرفيا. ان هناك سببين جذريين للتفوق الاسرائيلي: اولا, التمسك بالعقيدة الدينية كأساس ثابت لسياسات الحرب والسلم, وثانيا اعتماد الديمقراطية كمنهج اوحد للحكم والحياة السياسية. ان اسرائيل دولة دينية بكل ما تحمل الكلمة من المعاني السياسية والاجتماعية والثقافية التي تنعكس كقوانين قومية, ومن هذه القوانين مثلا قانون المواطنة الذي يسمح لأي يهودي ولد وعاش خارج اسرائيل ان يمنح الجنسية الاسرائيلية بمجرد دخوله اسرائيل بغرض الاقامة انطلاقا من ان الدولة الاسرائيلية هي منذ تأسيسها (الوطن القومي) لليهود. ولذا فان (ارض اسرائيل) تعتبر ارضا (توراتية) ملكا لليهود دون غيرهم بحكم (وعد رباني) وعلى هذا الاساس تصاغ كافة القوانين في كافة القطاعات لتجعل المواطن اليهودي متميزا على غير اليهودي في الدولة, كالاقلية العربية مثلا. هذه الصفة الدينية التي تشحذ مشاعر الافراد اليهود هي التي تجعل في المجتمع الاسرائيلي اسرة واحدة يجمعها الولاء لعقيدة واحدة مقدسة مما يؤدي الى اجتماع الكلمة في ظروف الشدة. ومع ان اسرائيل دولة ذات طبيعة عسكرية تقدس الجنرالات وتعتبرهم ابطالا قوميين فانها منذ قيامها وحتى اليوم تحرص على الالتزام بنظام التعددية الديمقراطية فلا تسمح بقيام نظام استبدادي. واعتماد الرأي والرأي الآخر في اسرائيل مع كفالة حريات التعبير والتنظيم واستقلال القضاة وسيادة القانون ليس ترفا. انه توجه من صميم اعتبارات امن الدولة وبقائها على قيد الحياة. فالآباء المؤسسون الذين شيدوا الدولة اليهودية عند اواخر الاربعينيات كانوا يدركون ان الحكم الاستبدادي القمعي هو افضل وصفة لانتشار فساد السلطة وفساد المجتمع وسيادة مشاعر الخوف والارتعاب وسط المواطنين بما يؤدي الى تآكل كيان الدولة بصورة خفية الى ان تنتهي الى درك الانحطاط الشامل. وعلى العكس فان النظام الديمقراطي بحرياته في التعبير والتنظيم وتكافؤ الفرص والنقد يخرج احسن ما في المجتمع من كفاءات وافضل ما فيه من افكار ورؤى. هذا هو سر قوة اسرائيل, ونقيضه هو سر الوهن العربي: الغيرة نحو العقيدة الدينية والقتال في سبيلها مقابل الملاحقة الامنية المستديمة في العالم العربي للاسلاميين.. والانطلاقة الديمقراطية الحرة مقابل الجمود والتآكل الاستبدادي.