صحيح ان الزعماء السياسيين والقادة العسكريين ورجالات الثورة يتصدرون قوائم شخصيات القرن, نسبة للحروب الكثيرة والكبيرة والثورات التي شهدها القرن كما ذكرنا امس, الا ان مع هؤلاء ثمة علماء وفنانين وأدباء وكتاب ورياضيين تربعوا على قمم منجزات القرن, لا نستطيع تجاهلهم, حتى ان بعض هؤلاء يفوق سمعة وجدارة كثيراً من السياسيين بأشواط , ما يجعل من قرننا المنصرم قرن السياسة والعلوم معاً. فمن اديسون وفورد وماركوني واينشتاين وبيل جيتس في العلوم والصناعة الى سارتر وكامو وطاغور وطه حسين ونجيب محفوظ وجبران خليل جبران وجيمس جويس وبرنارد شو ومارسيل بروست وماركيز وارنست همنجواي وغيرهم, مروراً بألفيس بريسلي والبيتلز وريتا هيوارت وجريتا جاربو ومارلين مونرو وفرانسيس فورد كوبولا ومارلون براندو ومايكل جاكسون وصولاً الى بيليه ومحمد علي كلاي وباكنباور ومارادونا وكارل لويس وناديا كومانشي وشتيفي جراف, تمتد قائمة طويلة من عظماء هذا القرن في حقول العلم والأدب والفكر والفن والرياضة, الذين طبع كل منهم جيله او عصره ببصمات خاصة, مجموعها هي اليوم سمات قرننا كله. والاسماء السابقة من الذاكرة ومن دون ترتيب, وهناك مثلها مئات من الاسماء الأخرى التي تستحق ان تكون من ضمن شخصيات هذا القرن على مستوى العالم, اضافة الى عشرات من آلاف الشخصيات المهمة على مستوى أقطارها أو أقاليمها, تتفوق عدداً ونوعاً على نظرائها من السياسيين والزعماء والثوار, سواء بما قدمت وانجزت من اعمال لصالح شعوبها والبشرية أو بأهمية هذه المنجزات في مسيرة تطور القرن كله. ولا يمكن طبعاً مع تزاحم مثل هذه الاعداد الكبيرة والمهمة من شخصيات القرن السياسية والفنية والفكرية والعلمية ان تتقدم شخصيات على اخرى في الأهمية الا بمقدار ما احدثته من تحولات عميقة في هذا العصر رسمت بعد ذلك ملامح المراحل اللاحقة لها, كشخصية لينين مفجر اول ثورة شيوعية في التاريخ وكشخصية هتلر الذي كاد يدمر بجنون عظمته العالم فتحولت هزيمته الى عظة بأهمية الديمقراطية وكشخصية عالم مثل اينشتاين حقق فتحاً في العلم نادراً نعيش آثاره الى اليوم وغداً. طبعاً الاستفتاءات والاستقصاءات التي تلجأ لها صحف في العالم لاختيار أهم شخصيات القرن لا يوافقها الصواب في أغلب الأحيان, نظراً لأن أغلبها غير محكوم بإطار فكري ونظري عن قيمة الشخصية وأفعالها, اضافة الى خضوع الاختيارات لرغبات قراء غير متخصصين في الغالب, فيكون الاختيار محكوماً بالذاكرة, بدليل ان اختيار هذه الصحف اغلبها يتعلق بشخصيات لا تزال تعيش في الذاكرة ولم يطوها النسيان بعد وتعود الى النصف الثاني من القرن. مع ذلك فإن اختيار مجلة (التايم) الرصينة المعروفة, والتي درجت على اختيار شخصية لكل عام كل من العالم ألبرت اينشتاين الشخصية الاولى للقرن وفرانكلين روزفلت الشخصية التالية له مباشرة, هو اختيار موفق ودقيق وخير معبر بالفعل عن روح قرننا العشرين كله, حيث الاحداث السياسية الجسيمة التي لعبت دوراً فيما وصلنا اليه من حال نعيشها اليوم اختلطت بالابتكارات والانجازات والطفرات العلمية, فيكون قرننا المنصرم قرن السياسة والعلوم. غير ان اختيار (التايم) في الوقت نفسه يحمل من الدلالات الكثير, ذلك لان العلم فيه تقدم على السياسة ما يعني ان عصر الاحداث التي يرتبط بها السياسيون عادة على وشك الافول وان عصر العلوم وحدها هو ما سوف نعيش في القرن المقبل, وتباشير هذا العصر عشناها عملياً في السنوات العشرين الاخيرة من قرننا الحالي, مع الاختراقات العلمية والطبية تحديداً, ومع تفجر المعلومات والاتصالات ودخولنا عصر الكمبيوتر والانترنت.