لا تستطيع اسرائيل إلا ان تسعى كعادتها إلى اقصى ابتزاز ممكن في اي عملية تفاوضية مع العرب, وهي تحاول بكل الاساليب أن توسع دائرة اغتصابها للاراضي العربية المحتلة مع انها تدرك ان مثل هذا التوجه يعني استحالة استكمال اي عملية تسوية على المسارين السوري واللبناني وعودة ما يسمى (عملية السلام) إلى نقطة الصفر . تتأكد هذه الحقيقة الثابتة من تلك التصريحات التي اطلقها الوزير الاسرائيلي (حاييم رامون) امس والتي اعلن فيها ان اسرائيل ستقوم بتنفيذ انسحاب كبير من الجولان, لكن (لا عودة لخطوط الرابع من يونيو عام 1967) . ولا شك ان اسرائيل تعلم من كل خبراتها السابقة ان هذا الموقف يعني انهيار عملية التسوية على المسار السوري وتهديد مستقبل كل عملية التفاوض, فسوريا اكدت في كل مواقفها السابقة المعلنة وغير المعلنة استحالة التنازل عن شبر من الارض المحتلة أو السماح للعدو بتحقيق اي اغتصاب جديد بالقوة للاراضي المحتلة, بل تعلم (اسرائيل) ان هذه القضية بالذات كانت العامل الاساسي في جمود عملية التفاوض لما يقرب من اربع سنوات. واذا كان الامر كذلك, مضافا إليه ان عملية التسوية الراهنة هي في مصلحة اسرائيل بالدرجة الاولى, فلماذا وكيف تغامر اذن باحتمالات نسف كل شيء؟ الاجابة على الاغلب هي ان اسرائيل عادت لتلوح بورقة التصلب كمحاولة اخيرة لقياس مدى استمرار صلابة الموقف السوري, خاصة وان اسرائيل ومعها عدد من الصحف الغربية تتحدث عن ادعاءات لا اساس لها عن ضعف قد يعتري الموقف السوري لاسباب سياسية أو اقتصادية, وهو ما نفته سوريا وهي تؤكد انها لن تتنازل عن اي حق من حقوقها المشروعة ولن تسمح للوجود الاسرائيلي ان يبقى في جبل الشيخ كما نقلت صحيفة (القرار) الصادرة في باريس. الغرض الثاني لاسرائيل قد يكون عملية ابتزاز تسعى لثمن ما لا تقبله سوريا على صعيد الترتيبات الامنية أو الصورة النهائية للتطبيع أو شكل الحل النهائي المتوقع للصراع العربي ـ الصهيوني. وذلك كله يعني ان على المفاوضين العرب على كل المسارات ان يتمتعوا دائما بالمزيد من الحذر, وان تتذكر الامة العربية كلها ان عملية التفاوض ليست نهاية الصراع, وان احتمالات تجدد المواجهة ليست امرا غير محتمل بالنسبة لعدو شرس ومصمم على تحقيق اقصى الاهداف على حساب الآخرين.