منذ اللحظة الأولى لجلسة افتتاح المفاوضات السورية الإسرائيلية التي بدأت أعمالها في قصر بليرهاوس بالعاصمة الأمريكية منتصف (ديسمبر الحالي) والتداعيات والتوقعات تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم.. وبينما اقتصر خطاب أيهود باراك على إبداء مجموعة من الملاحظات إلى حين طرح الأفكار الإسرائيلية في الجلسات السرية المغلقة .. فوجئ الإسرائيليون بوزير الخارجية السوري فاروق الشرع وقد اتسم خطابه بالتشدد وحسم خيارات التفاوض في التحرير الناجز للجولان.. وقد برر المراقبون الموقف السوري بأنه وضع نصب عينيه أن يكون رسالة تطمينية إلى الرأي العام السوري والعربي والدولي حول الالتزام بمرجعية مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام.. لكنه لم يراع الظروف والتحديات التي تواجه باراك وهو يحاول تليين موقف تيار التعصب الإسرائيلي الذي يرفض الانسحاب من الجولان.. وربما لذلك كان تصريح وزير الخارجية الإسرائيلية ديفيد ليفي الذي زعم أن خطاب الشرع أثار استياء الجانبين السوري والأمريكي.. وأنه أدرك الخطأ الذي وقع فيه.. وقال إننا على أي حال لن نقدم أي تعهد سبق بالانسحاب من الجولان.. حيث يتوجب إجراء نقاش من دون شروط متبادلة حول جميع القضايا المعلقة قبل التفاوض على الانسحاب! على أن الوفد السوري في نهاية المفاوضات أبدى ارتياحه لما تم التوصل اليه من اتفاق مع الوفد الإسرائيلي على 80% من بنود جدول الأعمال.. وهو ما يعني أن الوفدين لم يحسما أيا من القضايا الخلافية.. وإنما برر القبول المشترك للتفاوض بشأنها في المراحل اللاحقة.. الأمر الذي يثير الشكوك والمخاوف حول مصداقية إعلان الرئيس بيل كلينتون من أن المفاوضات سوف تستأنف على مسار السلام السوري من حيث توقفت.. وإذا كان رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إسحاق رابين قد تعهد عام 1992 بالانسحاب الكامل من الجولان إلى حدود 4 يونيو ..1967 فمن الواضح أن المفاوض الإسرائيلي بدا يعتمد أسلوب المراوغة في تفسير ما يسمي "بوديعة رابين" على غرار قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية التي احتلها خلال حرب الخامس من يونيو 1967 عبر الادعاء بأن وديعة رابين كما قرار مجلس الأمن لم يتطرق أي منهما إلى تحديد الأراضي المتعين الانسحاب منها.. الإسرائيليون يقولون انهم حثوا الشرع على كبح جماح حزب الله.. والأمريكيون طلبوا كذلك وقف العلميات "الإرهابية" ضد إسرائيل حتى لا تؤدي إلى نسف المرحلة القادمة من المفاوضات المزمع إجراؤها في فبراير عام 2000 بواشنطن.. وأن الشرع رفض وصف نشاط المقاومة بالإرهاب.. وأشار إلى أن إسرائيل هي التي تعتمد عملياتها العسكرية ضد المدنيين في جنوب لبنان.. وعليها لذلك أن تلتزم أولا باتفاق إبريل .. وكان الشرع قد توجه من سوريا إلى بيروت لاطلاع الحكومة اللبنانية على سير المفاوضات.. ومن الطبيعي أن يكون مصير حزب الله قد جرى بحثه بين الجانبين.. وإلا لما أعلن رئيس المجلس السياسي لحزب الله لأول مرة عن استعداده صراحة للتحول من حركة مقاومة إلى حزب سياسي عندما أكد أنه في حالة إرغام إسرائيل على الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان.. فسوف نحتشد لمواجهة مخاطر المشروع الصهيوني.. عبر الانشغال في ميدان الحرب إلى المقاومة والهيمنة الاقتصادية والسياسية الصهيونية.. واعتبر التسوية ليست أبدية ولا أولية.. لأنها لا تعني إنجاز السلام الشامل والعادل الذي يعيد للأمة العربية كامل حقوقها المشروعة وأرضها السليبة.. واتفق بشكل ما مع موقف إيران التي أكدت أن التسوية غير ملزمة لحزب الله بالاعتراف أو إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل.. لعله أوجز وأدل إزاء دور المقاومة في مساندة المفاوض العربي.. ضرورة الحفاظ على هذا الدور الحيوي في الحرب والسلام.. خاصة في ضوء العلاقة الجدلية الراهنة بين النظم الحاكمة في دول الطوق والمقاومة.. فهذه الدول ترى أن المقاومة بطبيعة تكوينها الشعبي وعقيدتها السياسية أو الدينية وإمكاناتها المحدودة ليست بديلا عن الجيوش.. وأنها لا تمثل كيانا مستقلا عن الدولة.. ولا مفر بالتالي من خضوعها لإدارة السلطة المركزية.. وضرورة أن تنسجم ممارساتها ولا تتعارض مع سياستها العليا.. بمعني أكثر اتساعها مع الواقع فإن مهمتها قاصرة على (تحريك) جمود عملية السلام.. عبر ممارسة الضغوط الأمنية على إسرائيل.. أما عملية التحرير فتتعلق بخيارات القيادة السياسية.. سواء عبر الحرب أو عبر التفاوض وصولا إلى التسوية وهو أقل درجة من السلام الشامل والعادل.. فالسلطة هي التي أجهضت الانتفاضة الشعبية أولا.. وبعدها سحبت الشرعية الثورية عن حركات المقاومة وفي مقدمتها حماس والجهاد.. إلى حد تعقب ناشطيها والزج بهم في السجون وتجريدهم من السلاح.. برغم أن دورهم انتهي من حيث بدأ اعترافها بالكيان الصهيوني والولوج إلى ساحة التفاوض معه حول عملية السلام.. وفي لبنان لا تزال المقاومة بزعامة حزب الله تكتسب شرعيتها من الحكومة اللبنانية حتى اشعار آخر.. في كل الأحوال يبدو أن طريق الوصول إلى السلام على المسار السوري وعر وغير مضمون العواقب.. صحيح أن الرئيس كلينتون عازم على إحلال السلام في الشرق الأوسط الذي بدأت أمريكا رعايتها له منذ عشرين عاما قبل أن تنتهي ولايته عام 2001 بدءا بالمسار المصري عام 1979 ثم السلام الفلسطيني في وأي بلانتيشن عام 1998 مرورا بالسلام الأردني القلق أقر توقيع معاهدة وادي عربة.. وصحيح أن باراك عازم كذلك على تحقيق السلام على المسار السوري قبل نهاية عام 2000 وقد أعلن لأول مرة في خطابه الأخير أمام تحالف (إسرائيل واحدة) الحاكم أنه يتعين على إسرائيل الانسحاب من (أراضي) مرتفعات الجولان في تفسيره للمرة الأولى لمعنىي التسوية المؤلمة مع سوريا. والصحيح كذلك أن اللوبي اليهودي في أمريكا وهو أكبر قوة ضاغطة على إسرائيل حيث يضم 5.5 ملايين يهودي ـ أعلن قناعته باستعداد الرئيس حافظ الأسد للسلام.. وجدوى الانسحاب الإسرائيلي من الجولان.. وقد فسرت سيمونا شاروني المشرفة على تحليل النزاعات المسلحة في (أوليمبيا) بولاية واشنطن سبب التحول في ذهنيات اليهود الأمريكيين بأنهم كانوا مخدوعين بمقولات القادة الإسرائيلية التحريضية ضد العرب.. ثم انتهى الأمر إلى القناعة ببطلان اتهام ياسر عرفات بالإرهاب والاعتراف بشرعيته والتعامل معه لإحلال السلام على المسار الفلسطيني.. وهو نفس التحول الذي حدث مؤخرا تجاه الرئيس الأسد. والصحيح أخير أن آخر استطلاع للرأي العام بثت الإذاعة نتائجه الأسبوع الماضي.. أكد على أن ثلاثة أرباع الإسرائيليين على قناعة بأن المفاوضات مع سوريا سوف تنتهي إلى توقيع اتفاق السلام.. لكن كثيرين منهم يعارضون إعادة هضبة الجولان كاملة إلى سوريا.. ومن هذا يطرح السؤال نفسه حول نتائج صراع الإدارات المتوقعة في مفاوضات الجانبين يوم 3 يناير المقبل.. وإلى أي مدى سوف تظل سوريا على نواياها الوطنية إزاء التحرير الكامل للجولان.. وكذا ثوابتها القومية إزاء حميات إنجاز السلام الشامل والعادل.. في الوقت الذي تماطل إسرائيل في الوفاء باستحقاقات السلام على المسار الفلسطيني عبر لاءاتها الأربعة .. لا للقدس عاصمة للدولة الفلسطينية.. لا لعودة اللاجئين.. لا للانسحاب من المستوطنات.. لا لترسيم الحدود القسمة العادلة للمياه.. وعلينا إذن الانتظار وتأجيل الأحكام إلى حين نهاية المفاوضات على كافة مسارات السلام إحاطة في ضوء السرية المفرطة على المفاوضات التي تجري في الغرف المغلقة!