في الوقت الذي فشلت فيه كل الجهود ـ على مدى عدة سنوات ـ في جمع الزعماء العرب في قمة تبحث التطورات الخطيرة التي تحدث في المنطقة وتحدد مستقبلها لعقود كثيرة مقبلة, وفي الوقت الذي تفشل فيه الجهود الهائلة التي بذلت على مدى اربعين عاما لاقامة السوق العربية المشتركة, وفي الوقت الذي تتجدد فيه المعارك الوهمية بين الاصالة والمعاصرة حينا وبين الجمود والحداثة حينا آخر وبين الانفتاح على ثقافات العالم أو الانغلاق على ثقافة الاجداد.. في هذا الوقت الذي تتفرق فيه الكلمة وتسود مشاعر الأحباط, تفاجئنا الجماهير العربية كالعادة حين يلتئم شملها كل ليلة من ليالي رمضان الكريمة لتتابع على أجهزة التلفزيون هذا المسلسل الجميل عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم. وليس هذا بالطبع حديث عن نواحي الابداع الجميل في هذا المسلسل التلفزيوني. ولكنها مناسبة تثير عدداً من الاسئلة والقضايا حول حال الامة ومسئولية السياسيين من جانب, والمثقفين والمبدعين من جانب آخر. إن أعظم مايمثله الالتفاف حول المسلسل بالذات, هو حالة الحنين الى ما يجمع الأمة, إلى لحظات الصدق في حياتها. إلى الأصيل والجميل في شخصيتها. وهكذا استطاعت أم كلثوم بعد رحليها بأكثر من عشرين سنة أن تجمع الأمة بمختلف الأعمار والأذواق والطباع والآراء, كما كانت تجمعهم على مدى عشرات السنين من حياتها حين كانت الحياة تتوقف في العالم العربي كله مساء أول خميس من كل شهر موعد حفلها الشهري. وماحدث مع مسلسل أم كلثوم حدث قبل سنوات مع عمل فني جميل آخر هو فيلم (ناصر 56) الذي صور واحدة من أعظم معارك مصر والعرب.. تلك المعركة التي اعقبت تأميم مصر لشركة قناة السويس واستعادة السيطرة على الشريان المائي العالمي وفتح الباب أمام العالم الثالث في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية لتستعيد الشعوب ثرواتها المنهوبة, وليبدأ عصر جديد نالت فيه الشعوب العربية حريتها واستقلالها, ونما المد القومي العربي, وبدأ السير في طريق الوحدة والتنمية رغم كل الصعوبات والنكسات. لقد ظهر الفيلم في ظروف صعبة, وبعد سنوات طويلة من الحملات الضارية على عبدالناصر ميتاً بعد الحروب ضده وهو حي, وفي ظل حالة عجز عربي وتشتت رهيب, وبعد ان أعلن بعض المسئولين (العرب) علنية أن القومية العربية خرافة, وبعد أن قررت أمريكا ـ بكل جبروتها ـ أن مستقبل المنطقة ستقرره واشنطن وتل أبيب, وبعد أن انهكت الحروب العربية العربية الجميع, و(هرول) من هرول إلى تل ابيب, واستعد آخرون لسباق (التطبيع) المكتوب على جبين الأمة.. أو هكذا يقولون! في ظل هذه الظروف, ظهر فيلم (ناصر) فإذا به يتحول الى ظاهرة سينمائية في كل أنحاء العالم العربي. وكانت المفاجأة ان معظم الجمهور كان من الشباب الذين لم يعاصروا ولم يعيشوا عصره. وهو نفس ما يحدث اليوم مع مسلسل (أم كلثوم) حيث تلتف الاسرة كلها حول التلفزيون تتابع الأحداث ويجتاحها الحنين لأيام توحدت فيها مشاعر الأمة, وكانت أم كلثوم أحد الرموز التي جسدت هذه المشاعر وساهمت في تعميقها في نفس الوقت. بالطبع ظهرت أفلام ومسلسلات اخرى في تلك الفترة حققت نجاحا متفوقا, ولكن الفرق هنا ان فيلم (ناصر) ومسلسل (أم كلثوم) يقدمان التاريخ بأمانة ولا يحاولان التلاعب بمشاعر الجماهير أو تزييف الواقع, ومؤلف العملين الصديق محفوظ عبدالرحمن كان واعياً بأنه لايقدم عملا فنياً من أجل المتعة فقط, ولكنه يقتحم الصعب, ويقدم صورة صادقة للحظات من التاريخ اجتمعت فيها كلمة الأمة واختارت بحرية وأعطت محبتها بلا حدود.. فكانت تلك العلاقة الفريدة في عالم السياسة بين عبد الناصر والمواطن العربي في كل مكان, وفي عالم الفن بين هذا المواطن وبين أم كلثوم. وكما جاء فيلم عبدالناصر بعد سنوات طويلة من الهجوم, وبعد حملات ضارية استهدفت تدمير كل شيء جميل في مرحلة النضال العربي التي قادها, يجيىء مسلسل أم كلثوم بعد حملات مماثلة استهدفت الثقافة العربية والفن العربي.. وماتزال. وكما جاء فيلم عبدالناصر بعد تراجع المد القومي وفي ظل انتكاسة شاملة للعمل العربي المشترك وانهيار القدرة العربية على المبادرة, يجيىء مسلسل أم كلثوم في ظروف مشابهة وبعد أن استقر العجز العربي كأساس للتعامل مع العرب, ويجيىء بعد كل التشويه الذي أصاب الفن العربي والثقافة العربية. وكما كان احتضان الجماهير لناصر 56 هو الرد على كل مايحدث, حتى اصبح نجاح الفيلم ظاهرة تخضع لتحليل اجهزة المخابرات ومراكز البحث وتثير الذعر لدى اعداء الامة, يجىىء التفاف الناس حول مسلسل أم كلثوم ليشكل ردا آخر, وليكون رسالة جدلية تحمل الكثير من المعاني وتثير الكثير من القضايا الفنية والثقافية والسياسية. انها بالطبع رسالة انحياز للابداع الجميل والفن الصادق والثقافة التي كانت ام كلثوم احد مظاهرها .. والتي لم تستطع هوجة (كماننا) وملحقاتها ان تقضي عليها وهذه زاوية يمكن الحديث عنها في فرصة اخرى ومكان آخر باستفاضة يستحقها هذا العمل الجميل. ولكننا نقف أمام المعنى الذي يختفي وراء هذا كله, معنى ان تكون أم كلثوم وقصة حياتها وصعودها واحتلالها للقمة اكثر من نصف قرن ان يكون ذلك هو مايحتل قلب الامة في هذه المرحلة التي تتابع فيها مظاهر السقوط السياسي والتردي في اكثر من مجال. ام كلثوم هنا ـ كما كان عبدالناصر في الفيلم الشهير ـ لا تمثل الماضي فقط, انها تمثل الحلم الذي كان والذي يكون, وتجسد الحنين الى كل مايجمع كلمة الامة ويوحد ارادتها. ام كلثوم هنا ـ كما كان عبدالناصر في الفيلم الشهير ـ ليست مجرد عمل فني جميل, بل هي رسالة اعتراض ضد كل القبح في حياتنا الثقافية والفنية والسياسية من قبل ومن بعد. رسالة الاعتراض التي تطلقها الامة حين تجتمع على احتضان فيلم عبدالناصر ومسلسل ام كلثوم, تصرخ في وجه القبح والتردي, تسأل (زعماء الأمة) ماذا فعلتم بنا؟ وكيف وصل الحال بنا الى كل هذا العجز؟ ولماذا تنهزم الامة وهي التي انتصرت قبل اكثر من اربعين سنة في السويس. ثم عاودت الانتصار في اكتوبر لتأتي بعد ذلك السنوات العجاف التي ضاع فيها كل شيء. لينتهي المطاف بالجميع بلا حول ولاقوة يتغنون بالسلام الذليل الذي يجىء على حساب الحقوق المهدرة؟ رسالة الاعتراض تصرخ في وجه زعماء الامة كيف تصبح القمة معجزة ننتظرها من سنوات, بينما الامة تجتمع على كل كلمة صدق, وتتشبث بكل نبضة كرامة تحرم منها في زمن الانكسار وتتوحد مع الرجل الذي فجر ينابيع العطاء في الوطن العربي, فتحدت الامة الصعاب وقهرت المستحيل, وعندما اغتالوه بقي في القلب والعقل والضمير, ثم يجىء فيلم سينمائي عنه فينفجر طوفان المشاعر في القلوب الصابرة على البلاء, الطامحة الى تحقيق الاحلام المسروقة منها. رسالة الاعتراض توجه الاتهام الى المسئولين عن اجهاض الحلم وتضليل الامة للذين تآمروا على الوحدة العربية في 61 والذين تآمروا على الامة في 67 والذين بددوا النصر بعد 73 والذين وجهوا سلاحهم الى المكان الخطأ ففرقوا شمل الامة واضاعوا ما تبقى من تضامنها, والذين هرولوا الى احضان العدو ولو على حساب القدس والاقصى وحقوق اللاجئين وكرامة الامة ومستقبلها. ورسالة الاعتراض التي اطلقتها الجماهير وهي تلتف حول هذين العملين الفنيين, هي ادانة لكل مثقف تخلى عن رسالته, ولكل مبدع باع نفسه وتصور ان (الهمبكة) هي الفن, او ان الترف هو مقياس النجاح, او ان ضياع الهدف النبيل يمكن ان يتبعه ابداع له قيمة. ام كلثوم لم تعش كل هذه السنوات لانها اعظم الاصوات ولا لانها اذكى المطربات, وانما لانها كانت ومازالت جزءا من ضمير الامة غنت افراحها واحزانها وطالت قامتها في ايام الانتصار ولم تكسرها الهزيمة الكبرى في 67 كما كسرت غيرها, بل جعلتها اكثر عنادا واكثر ايمانا بدورها وبمقدرة الامة على ان تهزم الهزيمة. في تلك الايام كان بعضهم يصلي ركعتين شكرا لله على الهزيمة التي لحقت بالامة! وكانت ام كلثوم وألوف المثقفين والمبدعين يؤدون دورهم كضمير للامة التي لابد ان تتأثر لهزيمتها وتنتصر لمبادئها. لم تكن ام كلثوم في احسن حالاتها الصعبة والفنية في تلك الايام, ومع ذلك خرجت الجماهير في كل العواصم العربية تستقبلها وتحتضنها كما تفعل مع قصة حياتها اليوم كانت الجماهير تدرك المعنى, وتعانق الرمز, وتنتصر لمستقبلها. هل يدرك المبدعون اليوم كل هذه المعاني ونحن نخوض معارك اقسى واشد هولا, هل يدركون وهم يراجعون ميراث قرن على الساحة العربية ان البقاء لمن يستطيعون ان يكونوا جزءا من ضمير امتهم يخوضون معاركها ويكونون طليعة تقدمها ويجسدون احلامها, وبهذا المعنى يظل طه حسين هو سيد كتاب القرن, وتظل أم كلثوم هي الفنانة الاعظم, ويظل عبد الناصر حيا رغم انف اعداء الامة ورغم الحروب المريرة والمليارات التي انفقت في الحرب ضده حيا, وميتا. والمعارك الآن اقصى لكن الفرسان غائبين وكما في السياسة حين يعجز الزعماء عن مجرد اللقاء في قمة تبحث مستوى الامة في لحظات المصير, يحدث في كل نواحي الحياة, من الفن الى الاقتصاد, ومن الثقافة الى العلوم ومع ذلك فان الامة مازالت قادرة على ان تجمع كلمتها وتتوحد مشاعرها وان تحتضن كل لحظة صدق.. بدءاً من موقف سياسي يحاول تصحيح الوضع واستعادة الوعي المفقود بالخطر الذي يتهددنا, وانتهاءً بأغنية أو فيلم أو مسلسل أو قصيدة تجسد الشوق الى استعادة الطريق الذي ضاع منا بفعل فاعل نقف أمامه ـ وأمام انفسنا ـ عاجزين. واكتب هذه الكلمات, واليوم هو يوم ذكرى انتصار العرب في حرب السويس عام 1956.. أبحث في الصحف والمجلات الصادرة, عن شيء ينعش ذاكرة الأمة ويحيي هذا النصر العظيم فلا أجد, أفتش في محطات الإذاعة والتلفزيون فتصيبني الحسرة.. حتى فيلم ناصر 1956 الذي انتج خصيصا لاحياء هذا اليوم لم يعرضوه والكل مشغول بفوازير رمضان واستضافة انصاف المطربات والمطربين ليحدثونا عن انجازاتهم الرائعة في عالم الـ (كامننا) . أشاهد مسلسل أم كلثوم, وأجلس لاكتب هذه الكلمات, و.. وكل عام وانتم بخير!!