معظم الناس يتحدثون عن نهاية القرن العشرين بحسرة وألم وكأنهم يودعون عزيزاً لديهم الى مثواه الأخير, هل في ذلك مبالغة من جانب هؤلاء, ام ان هذه الوقفة في نهاية عام ينقضي ووداع قرن حافل هي وقفة تستحق التأمل والدراسة ومحاولة الفهم على الأقل لما مر ويمر بنا من أحداث ؟ انا من اولئك الناس الذين يعتقدون ان نهاية العام والاشراف على قرن جديد له ما يبرره في النظر من حولنا, حيث ان ما يثيره من تأملات كثيرة تستحق بجدارة ان نقف امامها برهة لنثمن القادم من الاحداث, ولو ان الحديث عن المستقبل محفوف بالمخاطر, الا انه تمرين ذهني يستحق ان يقدم عليه المرء, آخذاً بعين الاعتبار ما نحن فيه من واقع, فماذا تخبىء لنا الأيام والسنوات المقبلة من تطورات؟ القادم من الاحداث في الخليج له علاقة وثيقة ـ ان كان لنا ان نحدد متغيرا واحداً ـ بالنفط, هذه المادة المستخرجة من الارض, وما يحيط بها من سياسات مجاورة, اثرت وما زالت تؤثر في مسيرتنا التنموية وفي علاقاتنا الدولية, ونسيجنا الاجتماعي, ومستقبلنا الاقتصادي. على الرغم من أنني القائل ان (الخليج ليس نفطا) فإني استميح القارىء بالعودة الى القول ان النفط سوف يكون مهماً في السنوات المقبلة من القرن الواحد والعشرين.. اما الخليج فلا! وقد يمثل التصريح بمثل هذه الحقيقة مفارقة, ولكنها الحقيقة سواء اردنا الاعتراف بها او تجاهلها, فلن يغير ذلك من الواقع شيئاً, اما المفارقة الثانية فإن الخليج سيظل يعتمد على النفط في معظم دخله سنوات عدة مقبلة, ولكن الامر ليس في الانتاج النفطي بل في كمية هذا الانتاج وفي سعره, اي في الأمن الاستراتيجي لهذا الاقليم. شهدت السنوات الاخيرة من القرن العشرين صدمة (انخفاض اسعار النفط) وهي صدمة لم يشف منها الاقتصاد الخليجي حتى بعد الارتفاع الاخير في الاسعار, هذا الارتفاع الذي ينظر اليه البعض من الحكماء كمرحلة مؤقتة لاعادة التقاط الانفاس والتحوط من جديد للمتغيرات القادمة بينما آخرون وبشيء من التسرع, بمنظور الزعماء لا رؤية العلماء, ينظرون اليه على انه نهاية الازمة في انخفاض الاسعار, وان كل شيء سوف يعود من المنظور السعري الى ما كان عليه في السابق, وهو رأي يميل الى الخيال اكثر منه الى الواقع. من شواطىء الولايات المتحدة الى شواطىء الصين كان الخليج في معظم سني القرن ـ الذي يودعنا الآن ـ هو محط انظار الدول والمجتمعات المحتاجة الى الطاقة النفطية, ولكنه لن يعود كذلك في السنوات اللاحقة, فالدول المحتاجة الى الطاقة والشركات العاملة في حقل استخراج النفط تتجه الى أماكن اخرى للبحث عن النفط وتجد هذه المصادر الجديدة في آسيا ومناطق اخرى من العالم بوفرة, ومع التقدم في طرق البحث والانتاج في هذه الصناعة, فإن هذه الشركات تحصل على نفط اكثر وأرخص مع بزوغ كل فجر جديد. لذلك فإن علاقات جديدة مع شركات النفط الدولية لا بد ان ترى النور ان كان لدول الخليج المنتجة للنفط ان تبقى في السباق, حيث ان هذه الشركات تتمتع بتقنية عالية من غير الممكن توافرها لدى شركات النفط الوطنية, بعد حوالي عشرين سنة من (التأميمات) كما ان الاسواق في ظل العولمة هي اسواق اقتصادية وليست سياسية, الا ان المتوقع ان تسير السياسات القديمة كما هي عليه ويخسر الخليج القيمة النسبية في المنافسة. عدا ان الحديث اصبح جاداً حول ان السنوات الاولى من القرن الواحد والعشرين سوف ترى بدائل حقيقية للطاقة من غير النفط ومشتقاته, وذلك ليس خيالاً, بل امر قائم, وما انتاج سيارات تسير بالكهرباء, والتي اصبحت واقعاً معيشاً, الا رأس جبل الثلج الذي يطل علينا لاستبدال طاقة النفط بطاقة من مصادر اخرى تسير القطارات ووسائل النقل الاخرى. واقع الامر اننا لو أخذنا فقط هذه المتغيرات من جملة متغيرات عدة اخرى تجوب العالم, فسنجد انفسنا في الخليج نحتاج الى اعادة نظر استراتيجية في علاقتنا بهذه المادة (النفط) والتي شكلت جملة ما اعتمدنا عليه من تنمية في نصف القرن الذي يكاد يمضي, لذا فإن القول ان النفط سيظل مصدراً للطاقة هو قول بدأ الشك يخالطه, كما ان القول ان الخليج هو حاضنة للاحتياطي النفطي انما هو قول ليس صحيحاً على اطلاقه, وبالتالي فإن هذه المنطقة يمكن ان تفقد ميزتها الاستراتيجية. من جانب آخر كان النفط هو أساس كل مشكلات الحدود البينية في الخليج, وسيظل كذلك, ودون النظر الى هذا الموضوع نظرة جديدة وجدية فيما بين اهل الخليج وحكمائه, فإن المتوقع اننا سنحمل معنا خلافاتنا الحدودية الى قرن مقبل ونورثها الى جيل قادم ايضاً, وربما تضيف التقنية الجديدة في البحث عن الطاقة واستخراجها (النفط والغاز) ربما تضيف الى ما تراكم من مشكلات حدودية, مشكلات جديدة, علينا وحدنا يقع الخيار في حلها, فإما الحلول العقلانية والسلمية او الفوضى, اما الشراكة او الصراع. اما البعد الآخر الذي يتولد من مثل هذه القضايا فإن الخليج حتى دون حروب نشطة في محيطه سوف يتجه للانفاق على شراء السلاح بمبالغ باهظة تستنفد الكثير من امكاناته المادية وتقلل من قدرته على مواجهة متطلبات الاجيال القادمة في التعليم والصحة والخدمات الاخرى. ومن الواضح انه ان لم ننظر الى قضايا الامن الاقليمي من منطلق اوسع فسيظل الخليج محط (ابتزاز) لقوى اقليمية ودولية تريد تحقيق مصالحها, هذه القوى الاقليمية قد لا تكون حصراً على الغرب, بل ربما تتدخل قوى متوسطة او كبيرة من الشرق ايضاً كلاعب اساسي في الساحة الخليجية. من السياسات المجاورة للنفط ولوج الخليج بكل قوة في فضاء العولمة الواسع, فقد شهدت مجتمعات الخليج في العقود الاخيرة من القرن قصفا مركزاً من مراكز العولمة أخل بنسيجها الاجتماعي, هذه العولمة التي تحدد اولوياتها بقضايا خمس هي الاستقرار الاقليمي, وحظر انتشار الاسلحة الفتاكة, ودعم حقوق الانسان, والدمقرطة, وتشجيع التنمية الاقتصادية واعتماد الشفافية والحرب أخيراً على الارهاب, انها باختصار تهدف الى خفض الاسوار, وقد زج الخليج ومجتمعاته كما لم يزج مجتمع عربي آخر في عولمة ساعدت ظروف الوفرة المالية على الاسراع في ولوجها من اطرافها السلبية, لذا نرى ان ردة الفعل على هذه العولمة مجموعة من التصرفات الاجتماعية والفكرية بعضها له نتائج قاسية, بل ومدمرة على النسيج الاجتماعي في الخليج, وكل الامراض التي نشتكي منها من ارتفاع في معدلات الجريمة بكل انواعها وتصاعد العنف الى تعاطي المخدرات الى الافكار المتعصبة والنافية للآخر, هي بعض من نتائج سقوط العولمة على النسيج الاجتماعي في الخليج خاصة في قطاع الشباب وامتصاص نسيجه ما هو سلبي من تأثيراتها حيث وجدت قطاعات من هذا الجيل نفسها ضائعة بين افكار وممارسات خبرها الجيل السابق بكل روية, وتشربها من خلال فترة طويلة من السنين, وبين ثقافة جديدة وجامحة لم يألفها, فكانت ردود الفعل غير المنضبطة وغير العقلانية, قد ظهرت في اسراف من جانبين: اندماج غير مقنن وامتناع غير عقلاني. هذه الذبذبات القاسية من نتاج الولوج في العالمية سوف تستمر تفعل فعلها في النسيج الاجتماعي الخليجي في الاعوام المقبلة, وسوف تفرز قطبين متناقضين قطبا يولج نفسه في غواية العولمة حتى النخاع, وقطبا آخر يريد العودة الى الماضي بكل قوة, حتى قوة السلاح. هذا التنافر سيولد صراعا اجتماعياً لا تستطيع لا المدرسة ولا المجتمع ولا وسائل الاعلام حصره وتجنب اثاره. ان نظرنا الى السنوات المقبلة من القرن الواحد والعشرين خليجياً فإن الصورة التي تبدو لي هي صورة قاتمة, واقر ان هذه الصورة ربما جاءت نتيجة موقف انساني, عادة ما يرى فيه الانسان ان الماضي هو العصر الفاضل, وربما كانت انعكاساً لقراءة اجتماعية سياسية واقعية لما يمكن ان تكون عليه مجتمعاتنا في المستقبل, نتيجة المعطيات الشاخصة امامنا. قد يكون هذا او ذاك, ولكن الحقيقة ان المستقبل ليس هو الماضي, وان تركه للمصادفة والحظ لم يعد من الأمور المقبولة في عصر يتجه نحو التأثير في الحاضر توقعا للمستقبل. .. وكل عام وانتم بخير