ليس للمسلمين سبب ديني يدعوهم للاحتفال بوداع الالفية الثانية واستقبال الألفية الثالثة, اما احتفال المسيحيين بمرور ألفي عام على (وفاة) المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ـ رغم انه لم يمت وانما رفعه الله اليه كما يخبرنا القرآن الكريم ـ لن يكون ذا معنى او مغزى الا اذا اعتبر وقفة عظمى للمسيحيين , شعوبا وجماعات وافرادا, لمراجعة مدى التزامهم بالقيم العليا التي دعا اليها المسيح او مدى حيدتهم عن طريقه. للمسلمين بالطبع ان يحتفلوا بحسابات السنة الهجرية.. ولهم كذلك ان يتقدموا بالتهنئة الى اهل الكتاب عموما في مناسبات اعيادهم ولكن ان يشارك المسلم غير المسلمين في احتفالات يسلك فيها مسالك مخالفة لمبادىء الاسلام فإن هذا يعتبر بدعة دون شك. ولو ارادت الشعوب المسيحية في العالم ان تتخذ من مقدم الالفية الثالثة وقفة للمراجعة فان اول ما يمكن ان يخطر على الذهن هو استغلال المؤسسات الغربية للديانة المسيحية لغايات واغراض السيطرة على العالم بدوافع استراتيجية استعمارية وعندما يتحدث ساسة الغرب عن المسيحية يخيل اليك احيانا انهم يعتبرون الديانة المسيحية وكأنها دين غربي, فنشأت ظاهرة يمكن ان نطلق عليها (العلمانية الدينية) او ممارسة العلمانية باسم الدين او اخضاع الدين لشئون الدنيا. هذه الظاهرة ليست جديدة تماما فجذورها تعود الى القرون الوسطى حينئذ انعزلت مؤسسة الكنيسة عن المجتمع فصارت وكأنها دولة موازية للدولة التقليدية الحاكمة. وعلى هذا الاساس صار الكهنة يستغلون مناصبهم لجمع الثروات وتحقيق السطوة, فكانت (صكوك الغفران) تباع كسلعة. لقرون طويلة ظل الحال هكذا.. فلم يتبدل الا ابتداء من القرن الثالث عشر الميلادي حين بدأت ثورة الاصلاح الديني من داخل مؤسسة الكنيسة وخارجها ومع تصاعد الوعي ظهرت شخصيات كنسية وغير كنسية تطالب بالعودة الى الكتاب المقدس وقيم المسيح الازلية ولكن مع ظهور بوادر النظام الرأسمالي العالمي الذي نعرفه اليوم مع ظهور الثورة الصناعية وكما هو معلوم فان ادخال الآلة في المصنع ادى الى الانتاج السلعي الصناعي بالجملة مما ادى بدوره الى البحث عن اسواق خارج الحدود لتصريف فائض الانتاج. هذه النقلة النهضوية التاريخية افرزت نمطا جديدا لمنظومة القيم الاخلاقية, وكأن (دينا) جديدا ظهر ليمحو القيم السائدة. فقد صار جني الربح اقدس الاقداس وصارت النفعية الذاتية بالمعنى المادي الصرف المعيار الاساسي لما هو مشروع وما هو غير مشروع, وبذلك تلاشت الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام بالمعنى الديني المسيحي. وهذه هي مشكلة المسيحية الغربية في هذا العصر.. فالدين لم يعد له الا وجود رمزي بغرض تمويه صورة قبيحة.. هي صورة منظومة القيم المادية الرأسمالية التي تعتمد مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) كقيمة حاكمة مقدسة تبرر الانانية والاقتناء الذاتي والنهب وبالتالي العدوان والسيطرة على حساب القيم الانسانية الخالدة التي تدعو لها العقائد الدينية كالصدق والجمال والتضحية والاثرة والمروءة. وعلى هذا النحو تضع مؤسسة الكنيسة الغربية نفسها تحت خدمة رأس المال وسلطة الحكم التي يديرها في الظل ملوك الصناعة واصحاب الشركات العملاقة, فدور المؤسسة الكنسية بات اما السكوت على انحراف الدولة وعدوانيتها والفوضى الاخلاقية في المجتمع او تبرير كل ذلك بمواعظ دينية. صحيح ان المجتمعات الغربية حققت نقلات نهضوية ضخمة بالمعنى المادي انعكس بدوره على رفع المستويات المادية لمختلف الطبقات ومع ذلك فان المجتمعات الغربية تعيش ازمة اخلاقية يستشعر فيها الفرد وحشة ونعاسة على الدوام رغم كل ما حوله من مباهج وملذات الحياة المادية.