اذا كان ثمة حدث أو أحداث ووقائع مهمة في القرن, فعلى رأسها جميعاً القرن العشرون نفسه اذا جاز مثل هذا الاختيار, فهو أعظم قرن في الألفية الثانية والأولى على الاطلاق, لا نسبة لما شهدته البشرية من أحداث تاريخية, وانما لما شهدته من تطور مذهل, ما يجعل من سنوات القرن سنوات ذهبية حقاً, سواء في النصف الأول أو في نصفه الثاني . صحيح أن القرنين الماضيين الثامن عشر والتاسع عشر شهدا أحداثاً واكتشافات وابتكارات وتطورات, هي عملياً القاعدة التي تأسست عليها منجزات القرن الحالي الذي يطوي ذيوله هذه الأيام, غير أن هذا القرن بما تحقق فيه للبشر من تقدم وتطور وصل الى حد الخيال أحياناً, يجعله أهم القرون على الاطلاق, دون أن يعني ذلك أنه قرن السعادة والصفاء والنهوض ففيه كبوات ونقاط سود وآلام, ربما أكثر من غيره من القرون السابقة في الوقت نفسه. ففي هذا القرن مثلاً وقعت حربان عالميتان هما من الشراسة والدموية ما وصما قرننا بالعار, خاصة ان الحربين واكبتا نهضة علمية, استغل جزء منها لصالح الحرب, فكانت من بعد الصواريخ والطائرات والمدافع, القنبلة النووية تدشيناً لمنتصف هذا القرن, وهو تطور علمي وعسكري ظل متحكماً لاحقاً فيما تبقى من القرن وكاتما لأنفاسه وموجها لأغلب سياساته, حيث ظهرت الدول النووية المتحكمة في شئون ومصائر بقية الدول. وما بين الحربين وقبلهما وبعدهما, كان قرننا قرن الثورات والانتفاضات والحركات الاجتماعية العنيفة, من دول سعت الى الاستقلال عن طريق الخيار الثوري الى الانقلابات الداخلية والحروب الأهلية وحروب الحدود, وها هو القرن ينتهي بحرب من هذه الحروب, كما هو الحال في الشيشان وسابقا في كوسوفو, ولم يتبق مكان على الكرة الارضية لم يشهد فيه مثل هذه الاحداث الدموية غالبا, حتى انه يمكن اعتبار هذا القرن, قرن الحروب, لا قرن السلام على نحو ما يحاول البعض تصويره. وهكذا فانه لا يوجد شعب في العالم اليوم, في آسيا أو افريقيا أو أوروبا أو الأمريكتين, لم يذق طعم الحرب أو لم يعش أهوالها أو لم تلحقه من حرب ما نار أو أذى, واذا كانت هناك شعوب كما هو الحال في أوروبا مثلاً أو أمريكا الشمالية واليابان تجاوزت محنها واتجهت نحو العمل وبناء مجتمعاتها فساهمت, لا في تطورها فحسب, بل في تطور البشرية أيضاً بما قدمت من منجزات, فان القرن ينتهي وهناك شعوب أخرى لا تزال تلعق جراحها وتعيش في ماضيها المؤلم وتتخبط في طريقها, منها للأسف شعوبنا العربية والاسلامية, ما يمكن أن تكون قنابل موقوتة للقرن المقبل. وبطبيعة الحال فان الثوار والقادة العسكريين والزعماء السياسيين هم الذين يتصدرون اليوم قائمة شخصيات القرن, نسبة لأحداث هذا القرن التي غلبت عليها الحروب والمعارك والثورات, من لينين وجيفارا وكاسترو وغاندي وجمال عبدالناصر ومانديلا وتشرشل وايزنهاور, الى هتلر وموسوليني وماوتسي تونج وباتريس لومومبا وصدام حسين والخميني وديجول, وغيرهم كثير من زعماء الصف الاول في العالم ومن زعماء الصف الثاني والثالث في الترتيب في أوطانهم. طبعاً القرن بدأ بانحسار الاستعمار عموماً وبرحيله من المستعمرات اما بالحروب والثورات واما للعجز عن الاستمرار والبقاء, وصولاً الى الرحيل الكامل عن المستعمرات السابقة مع منتصف القرن وما بعده بقليل, مع بقاء بعض المستعمرات القديمة الى اليوم, الرحيل منها اضمن من البقاء فيها كرحيل البرتغاليين مؤخراً من مكاو الصينية, الا ان القرن الجديد يبدأ للأسف باستعمار جديد, لا يستخدم الجيوش والسلاح هذه المرة, بل السيطرة بالسلع والعلوم والتكنولوجيا, فيما صار مفهوماً بالعولمة, ما يعني أن الحروب سوف تطبع قرننا الجديد أيضا, ولكن من دون اراقة دم, وانما باراقة الكرامة وهذا أخطر وأفدح. عبدالحميد أحمد