كانت موضوعة (الاصالة والمعاصرة) ـ وما تزال ـ واحدة من اكثر الموضوعات دورانا على السنة المثقفين العرب, واشدها اغراء لاقلام الادباء والكتاب المحدثين, فلقد شغل هؤلاء جميعا بمناقشة هذه الموضوعة التي تمثل امتدادا لرؤية مفكري رجال النهضة وسعيهم نحو انضاج موقف موضوعي من التراث ومن الآخر , مما قاد في النهاية الى الوصول الى صياغة رؤيتنا الحديثة ضمن هذا الاطار الاصطلاحي الذي يشف عن موقفنا الفكري, ومن خلال صياغة تعمقت دلالاتها وازداد وضوحها المعرفي يوما بعد يوم. ولابد لنا قبل الدخول في مناقشة قضية (الاصالة والمعاصرة) واستجلاء دلالتها, من الاشارة الى ان نجاح الفكر العربي المعاصر في صياغة موقفه الفكري على هذا النحو, لم يكن ليخلو من ضغوط المحددات التاريخية المتمثلة في هيمنة الفكر الامبريالي وحضوره في شكل تحد خارجي ضاغط. ولا ريب في انه كان لهذا التحدي تأثير في الموقف الفكري لنا وفي صياغة موضوعته, بعد ان خلق هذا الحضور ظلالا يمكن تلمسها في هذه الصياغة بوضوح وبما لا يبرئها من منطق رد الفعل. صياغة ضدية لقد اريد للاصالة ان تدل عند اصحابها والمؤمنين بها على ذلك المنجز التراثي الذي خلفه لنا السلف واستطاع الحفاظ على ثرائه على امتداد الزمن, فضلا عن الوفاء بتقديم اجابات على الاسئلة المستمرة وحل المعضلات الناشئة عنها, مما جعل هذا التراث الاصيل منطويا في نظر اصحاب هذه الرؤية على معاني التقديس والتوقير والاجلال. وهي معان عبر عنها اصحاب هذا الموقف فيما نظروا له من رؤية تجسدت فيما بعد بما عرف بقضية الهوية القومية وضرورة الحفاظ عليها. في مقابل هذا كانت المعاصرة ـ الطرف الآخر في معادلة الصياغة ـ تدل في نظر اصحاب الرؤية نفسها على الانجاز المعرفي الذي نؤسسه, نحن جيل الحاضر, في ظل ثقافة عصرية تستظل بمظلة الغرب, ويخضع هذا الانجاز في كثير من مفاصله وتجلياته لثقافته وفكره. من هنا فقد انطوت هذه الموضوعة منذ ظهورها على اشكالية التقابل الحاد بين وجهي المعادلة في الفكر والتوجه, اذ كانت تقتضي ضمنيا تحديد موقف واضح, اما مع الاصالة او مع المعاصرة. لكن هذه الصياغة لم تعدم موقفا فكريا آخر كان يراهن على امكانية المزاوجة بين طرفيها, في محاولة للافادة من المعطيات الايجابية لكلا المنجزين, دونما تفريط او خسارة. ويبدو لنا ان صياغة موضوعة (الاصالة والمعاصرة) ضمن علاقة من التضاد لم تكن موفقة تماما, اذ اضرت بالموقف النقدي للفكر العربي وشغلته عن تلمس الرؤية الواضحة لسبل النهوض وتحقيق تقدم حقيقي, فليست الاصالة مخزونا تراثيا ولا هي حكر على النتاج السابق الذي لا يمكن الاحتفاظ به ما لم نستعد اطره القبلية ونماذجه الاولى, بقدر ما هو انجاز قابل للتحقق في كل زمان ومكان, وحيثما تتوافر له الاسباب والمقومات, فليس ثمة عصر يمكن ان يكون استثنائيا او خارجا على قوانين التاريخ وسنن التطور واشتراطاته الموضوعية, كما انه ليس من العلم في شيء الزعم بأن ما ينجزه بعض اجيال الامم يستعصي على الاجيال اللاحقة لها الاتيان بمثله او تجاوزه. رؤية موضوعية من هنا فإننا اذا ما استطعنا انتاج فكر قادر على اثارة اسئلة جديدة في حاضرنا المعيش وعلى التعبير عن هموم انساننا, فضلا عن امكانية هذا الفكر في امتلاك اهتمامات عصرية والمشاركة في صنع مظاهر حضارة العصر, اذا استطعنا ذلك فإننا سنضمن ولا شك, امتلاك هذا النتاج المعرفي لوجهي المعادلة السابقة (الاصالة والمعاصرة) , فلا تغدو الاصالة مفارقة للمعاصرة ولا المعاصرة نقيضا للاصالة. وقد لا نكون بحاجة الى التوكيد على انه ليس من المحتم ان تعني المعاصرة تماهيا مع حضارة الغرب واندماجا بمرجعيته وتبعية لفكره, ذلك ان المعاصرة هي القدرة على مواكبة تطورات العصر والتواؤم مع مستجداته الحضارية الدائمة, مع قدرة على التعبير عن هموم الانسان والمشاركة في صنع حضارة اليوم. ان هذا هو ما يجعلنا نرى في بعض منجزات التراث المضيئة عطاء اكثر معاصرة من كثير مما نؤسسه اليوم في حاضرنا المعيش, مثلما نرى في بعض ما يبدعه انسان الحاضر عمقا واصالة وامكانية على المطاولة والدوام. على هذا النحو تبدو الاصالة شرطا لا غنى عنه لاية حضارة انسانية, اذ بدون الرؤية المعاصرة لا يمكننا انجاز قراءة تاريخية لتراثنا, ولاسيما اننا اليوم محكومون برؤية متجددة وثقافية نامية وذائقة متمايزة واشتراطات تاريخية واقعية, بل اننا وبدون هذه المعاصرة سنكون معرضين على الدوام لخطر الوقوع في مهاوي الانغلاق وتضخم الذات والنظرة الاحادية, تماما مثلما تقود النظرة المتعالية على تراث الامة الرافضة له, الى السقوط في مرجعية الآخر والتخلي عن القسمات الفارقة لخطابنا المعرفي. ان على الخطاب الفكري الراهن, اذا ما اراد الخلاص من مأزقه الذي يتخبط فيه منذ افول بريقه, ان ينجز قراءته الموضوعية لمعطيات المرجعيتين المحيطتين به, متخذا من معطيات الحاضر, ومن اللحظة التاريخية التي يحياها منطلقا لتلك القراءة وقاعدة لذلك التقدم المنشود, الذي سيؤدي تحقيقه الى انتهاء تناول موضوعة الشد والجذب المتناقضة وانجاز عطاء مشتمل على دلالاتهما معا. * ناقد واكاديمي عراقي