لاشك في مدى اهمية الدور الذي يلعبه الاقتصاد في حياة الامم والشعوب, ولا جدال في مدى الاهمية المتزايدة للاقتصاد في العلاقات الدولية وفي رسم آفاق الاستقرار العالمي, كما لا مناص من الاقرار بأن الاقتصاد هو محور ارتكاز لاي تنمية تتحقق لشعب ما او لدولة ما, وهو اساس الاستقرار السياسي والاجتماعي والامني لذلك الشعب او لتلك الدولة . ومن هنا فإن الاقتصاد في ضوء معطيات المرحلة الحالية اصبح يشكل اهتماما متزايدا من قبل الدول والحكومات والشعوب, واصبحت التكتلات الاقتصادية هي التي تحكم العالم فيما اصبحت الشركات الاقتصادية والتجارية العالمية هي التي تحدد معالم الالفية الثالثة, وهي التي تحدد مسارات العلاقات المجتمعية على صعيد الدولة الواحدة او على صعيد العلاقات الدولية في المجتمع العالمي كما ان مفردات لغة القرن المقبل غير تلك المستعملة في هذا القرن, فهناك الخصخصة التي تصهر وحدات القطاع العام بالدولة الواحدة في بوتقة القطاع الخاص ليشكلها هذا الاخير وفق اهدافه وآلياته وادواته وسياساته, فيما تصبح العلاقة الدولية مرهونة بما يتم الاتفاق عليه في منظمة التجارة العالمية W. T. A التي سوف تخترق الاسواق العالمية بمنتجات الدولة المنتجة لها وتقوض انجازات ومكتسبات الدول الخارجة عنها حينما تجعلها مهمشة وغير مطلوبة. ثم تأتي المفردة الاخيرة للغة القرن المقبل وهي العولمة التي تشكل وعاء كبيرا فيه تلعب الشركات العملاقة ذات الجنسيات المتعددة دورها في اجتياح العالم واستباحة الممالك الضعيفة لتزرع بذورها وتقطفها بعد حين, ولن تكون هناك دول خارج اطار العولمة وانما سوف يصبح العالم قرية كونية تحكمها آليات العولمة ذات التقنية العالية والاذرع القوية والامكانيات الضخمة. المقومات الاقتصادية الامارات شأنها شأن باقي الدول تسعى لان تحافظ على ومنجزاتها واسمها وهويتها وحضورها الاقتصادي العالمي الذي حققته في فترة قياسية لا تتجاوز الثمانية وعشرين عاما. ويرجع ذلك الحضور أو الأهمية الاقتصادية تلك ليس لكونها دولة منتجة للنفط الخام ومصدرة له فحسب وانما لانها اصبحت احد المراكز التجارية العالمية حيث استقطبت جزءا مهما من التجارة العالمية, ساعدها في ذلك وضعها الجغرافي بين الشرق والغرب, والسياسات الاقتصادية التي اتسمت بالمرونة فضلا عن الاستقرار السياسي والامني والاجتماعي وهذا امر في غاية الاهمية للاقتصاد عامة وللتجارة والاستثمار خاصة. والامارات العربية كي تحافظ على هذا الحضور وهذه الاهمية في الساحة العالمية في ظل المتغيرات الاقتصادية الشديدة التأثير على معطيات المرحلة القادمة من القرن الحادي والعشرين وحتى يتسنى لها مواكبة العصر في الاساليب والادوات الاقتصادية, فإن الامر يتطلب تشخيصا دقيقا للواقع الاقتصادي للدولة بمعطياته وافرازاته كي نصل الى اسباب القوة ومقومات الحضور للعمل على تعزيزها ثم نحدد اسباب الضعف والاختلال كي نعمل على معالجتها وبعدها نرسم صور التحديات وطبيعة المتغيرات الاقليمية والدولية لنحدد مدى تأثيرها على مسيرة الاقتصاد والتنمية, ثم الحيلولة دون ان تترك تلك المتغيرات اية انعكاسات سلبية على مجمل الاقتصاد الوطني, والعمل جاهدين للاستفادة منها قدر الامكان. مصادر القوة ان تحديد مقومات الاقتصاد بهدف تعزيزها وتوظيفها بشكل جاد وعلمي ووفق منهج صحيح يعتبر امرا في غاية الاهمية لاسيما عند توظيفها في معالجة الاختلالات الهيكلية المزمنة والطارئة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني وتؤثر على مسيرته ثم يتم من خلالها الاعداد لمستقبل واعد للاقتصاد وكذلك للمحافظة على الاستقرار الجماعي والامني والسياسي وتحقيق الازدهار والتقدم الاقتصادي للمجتمع والفرد. وهنا نحدد تلك المقومات التي تأتي على النحو التالي: 1 ـ السياسة الاقتصادية: الامارات العربية المتحدة ومنذ تأسيسها في الثاني من ديسمبر 1971 قد نهجت سياسة الحرية الاقتصادية او سياسة الباب المفتوح, او سياسة السوق الحر واتسمت هذه السياسة بالمرونة العالية وكفل القانون والاعراف الاقتصادية هذه السياسية التي جاءت منسجمة بل ومتسقة مع السياسات الاقتصادية المعمول بها في الدول المتقدمة وبفضل هذه السياسة استطاعت الدولة ان تستقطب الاهتمام العالمي ولاسيما في منطقة الشرق الاوسط حيث اضحت خلال فترة قياسية مركزاً تجاريا عالميا وهاما ليس في الخليج وانما في العالم, كما ان هذه السياسة جعلت من الامارات منطقة جذب للاستثمارات العالمية وخطوط الائتمان في القطاعات المصرفية والمالية. وبفضل هذه السياسة استطاعت الدولة تجاوز العديد من الصدمات والازمات الاقتصادية التي مرت بها المنطقة والعالم, سواء ازمة النفط في 1986 او ازمة النفط الاخيرة 97/98 أو الظروف التي مرت بها المنطقة, حرب الخليج الاولى, ثم ازمة الخليج الثانية (غزو العراق للكويت 1991) ثم الازمة الآسيوية وانهيار الاسواق الاسيوية رغم اهمية تلك الاسواق للامارات والاقتصاد الاماراتي وكانت تلك الازمات قد عززت من الوضعية الاقتصادية للدولة واكدت على السمعة الجيدة لسوق الامارات وللاقتصاد الوطني. البيئة التشريعية والقانونية: لنفاذ السياسة الاقتصادية التي ارستها الدولة فقد حققت طفرة جيدة في تشريعاتها وقوانينها الاقتصادية التي اكدت على مكانة الدولة اقتصاديا وساهمت في وجود بيئة اقتصادية وخلق مناخ اقتصادي متميز, وتلك البيئة والمناخات جعلت من الامارات قبلة للتجارة الدولية والاستثمارات الاجنبية العالمية, وذلك في السنوات الاولى من انطلاقة الدولة وقد كان لتلك التشريعات والقوانين الأثر الكبير في تحقيق الاستقرار والامان اللذين يمثلان عنصرا حيويا لرأس المال او الاستثمار الاجنبي, واكدت على اهمية صيانة حقوق المودعين والمساهمين والمستثمرين سواء المواطنين او المقيمين على ارض الدولة, كما اكدت تلك التشريعات على حرية حركة المال والايدي العاملة من داخل الدولة الى خارجها ومن الخارج الى الداخل, وفقا للقانون والنظام, ثم حرية التحويلات من داخل الدولة الى الخارج وبالعكس, دون ان تكون هناك حدود او قيود تعيق حركة رأس المال او حتى الايدى العاملة. 3 ـ البنية التحتية: لقد حققت الامارات وخلال فترة قياسية تطورا كبيرا في تكوين هياكلها التحتية, وخلال السنوات الماضية انفقت مئات المليارات من الدراهم من اجل وجود بنية تحتية نقلت الامارات لان تصبح احدى الدول المتميزة والمتطورة من هذه الناحية, وكان جزء كبير من الايرادات النفطية للدولة قد خصصته ووجهته نحو الاستثمار في بناء الهياكل الاساسية, كما ان بعض الحكومة المحلية ومن خلال موازناتها المحلية قد وظفت جزءا من عوائدها في استكمال البنى التحتية فيها, فقط استطاعت الامارات وخلال تلك الفترة ان توجد مطارات ضخمة تستقبل اكبر واضخم الطائرات ثم قامت ببناء اكبر الموانىء ذات المواصفات العالمية حيث تعتبر تلك المطارات والموانىء منافذها الواسعة نحو العالمية خدمة لحركة التجارة العالمية وجذبا للاستثمارات العالمية كذلك فإن الامارات يمكن ان يطلق عليها عاصمة للخدمات المجانية وشبه المجانية, فقد تم تشييد المستشفيات وشبكة متطورة من الشواع ربطت المدن الرئيسية بمختلف مناطق الدولة. وتحتضن الدولة شبكة من اكبر شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية تطورا في العالم, ناهيك عن التخطيط العمراني والمدني الرائع والمتميز على مستوى العالم, وكل تلك العوامل أو الهياكل الأساسية هي في الأساس عناصر مهمة للعبور إلى القرن المقبل, واستقطاب المزيد من الاستثمارات العالمية. 4ـ غياب الضرائب ومحدودية الرسوم: الامارات العربية رغم محدودية مصادر الدخل لديها واعتمادها على النفط في تمويل موازنتها الاتحادية والموازنات المحلية, إلا انها ولسنوات طويلة كانت الدولة تقدم تلك الخدمات بشكل مجاني للمواطنين والمقيمين على حد سواء, الأمر الذي أرهق موازنة الدولة لا سيما في الخدمات الاجتماعية كالطبية والتعليمية, كما ان الامارات وحتى الآن لا يوجد بها نظام ضريبي رغم انخفاض أسعار النفط وبالتالي انخفاض ايرادات الدولة وبروز ظاهرة العجز في موازنتها, كما ان الرسوم الجمركية المفروضة على حركة التجارة الخارجية محدودة قياسا بالدول الأخرى, وبالرغم من ان ذلك يشكل عبئا كبيرا على الدولة إلا ان ذلك يشجع التجارة العالمية ويسهم في حركة التجارة والاستثمار ويتيح الفرصة أمام القطاع الخاص كما يسهم بدوره في الاقتصاد الوطني!! 5 ـ قطاع الصناعة (البتروكيماويات): تستطيع الإمارات ان تسجل حضورا اقتصاديا في الساحة العالمية من خلال الصناعات البتروكيماوية وصناعة الألمنيوم فيما إذا تمكنت من ادخالهما ضمن اتفاقية منظمة التجارة العالمية, فالامارات تتوفر لديها ميزة نسبية في البترول اضافة إلى الصناعات البتروكيماوية وصناعة الألمنيوم, ولكن هناك صعوبات تواجه هذه الصناعات ويعزا ذلك إلى استبعاد صادرات الامارات من البترول والبتروكيماويات من القائمة التي بموجبها دخلت الامارات إلى منظمة التجارة العالمية, فالصناعات البتروكيماوية الاماراتية تستطيع المنافسة في السوق العالمية لمستوى جودتها وحجم انتاجها إلا انها تعاني من الرسوم العالية التي تفرضها الدول الأوروبية, كما ان هناك موقفا غريبا تتخذه الدول الأوروبية في مواجهة صادرات الامارات من الألمنيوم 6 ـ الاستقرار السياسي والأمني الإمارات العربية تتميز باستقرارها السياسي في ظل قيادة رشيدة وادراك لحقيقة التطورات التي تشهدها المنطقة, وعلاقات سياسية خارجية متميزة وقوية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الاستقرار الاجتماعي المتميز أيضا جعل الامارات منطقة جذب لكافة جنسيات العالم حيث نجد ان هناك رغبة كبيرة من قبل الوافدين بالاستقرار طويل المدى في الامارات لا سيما في ظل توفر كافة الخدمات الاجتماعية فيها, كذلك فإن الاستقرار الأمني هو أمر في غاية الأهمية للإنسان والمال في أي مجتمع, والامارات حماها الله تشهد استقرارا أمنيا يشجع المستثمر والسائح بالاستقرار فيها, ومن الطبيعي ان الاستقرار سواء كان سياسيا أم اجتماعيا أم أمنيا يعتبر أمرا في غاية الأهمية في تحقيق نهضة اقتصادية وتنمية اقتصادية مستديمة وفي استقطاب استثمارات أجنبية واستقرار رأس المال والاستثمار الوطني في الدولة, ويوفر هذا الاستقرار المناخ المناسب لتوسيع العلاقات التجارية مع مختلف دول العالم في ظل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية أو العولمة!! 7 ـ اتفاقيات الاستثمار والازدواج الضريبي: الامارات العربية قد توصلت وخلال الفترة الماضية إلى توقيع عشرات الاتفاقيات سواء تلك المتعلقة بالاستثمار أو تلك المتعلقة بالازدواج الضريبي مع عدد كبير من دول العالم وفي مختلف القارات, وهذا من شأنه ان يخلق تعاونا حقيقيا على صعيد التعاون والتبادل التجاري وفتح قنوات استثمارية مع مختلف دول العالم يعزز حضور الامارات في الساحات الاقتصادية العالمية ويؤكد على ان الامارات تحظى برغبة دول العالم للتعاون معها وللتبادل معها اقتصاديا وتجاريًا واستثماريا, ناهيك ان الامارات قد عقدت مجموعة من الاقتصاديات الأمنية مع عدد من الدول وهذا أيضا له أهميته في تحقيق انفتاح أكبر للاستثمار والتعاون الاقتصادي. 8 ـ توفر الفرص الاستثمارية: مازالت الامارات أرضاً بكراً للعديد من الفرص الاستثمارية المتاحة للقطاع الخاص, فإذا كان بروزها خلال هذه السنوات لكونها دولة نفطية, ومركزا تجاريا فإن هناك فرصاً استثمارية واعدة يمكن للاستثمار الوطني ان يصل إليها ويترجمها إلى صناعات ومنتجات يمكن ان تغطي الاحتياجات المحلية فيما يصدر الجزء الفائض إلى دول العالم وهذا ما ينعكس ايجابا على الميزان التجاري وميزان المدفوعات للدولة وهذه الفرص تتوفر في القطاع الصناعي, أو السياحي أوالتجاري أو الزراعي أو العقاري وقد أثبتت صناعات الأسمنت والسيراميك والألمنيوم وغيرها نجاحات حقيقية ومبشرة. 9ـ القوة الشرائية والطلب المتزايد: ان أي زيادة في الكثافة السكانية لأسباب داخلية ناجمة عن زيادة المواليد أو زيادة خارجية ناجمة عن الهجرة والاستقرار في الامارات تشكل ارتفاعا في الطلب على السلع والخدمات, وبسبب المقومات سالفة الذكر ولا سيما الاستقرار على مختلف اشكاله فإن الامارات مؤهلة بزيادة الكثافة السكانية الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كبير في الطلب وهذا يشجع وجود صناعات أو استثمارات تغطي جزءًا من زيادة الطلب المحلي قبل حدوث زيادة في الطلب الخارجي, ومما يزيد من الطلب على السلع والخدمات والمنتجات النزعة الاستهلاكية في مجتمع الامارات وذلك وان كان يشكل ضغطا على ميزان المدفوعات فإنه يخلق في نفس الوقت فرصا استثمارية لانتاج سلع وخدمات لتغطية الطلب المتزايد خاصة في ظل زيادة القدرة الشرائية المرهونة بتحسن دخل الفرد وزيادة الانفاق الخاص والحكومي على حد سواء. ان تلك المقومات الاقتصادية يمكن ان تؤهل الاقتصاد الوطني لمواجهة التحديات المحتملة في الألفية الثالثة فيما إذا تم استثمارها بشكل جيد خاصة إذا تم التخطيط العملي لوضع أولويات القوة وتعزيز مصادر هذه المقومات وفي الحلقة المقبلة سوف نستعرض التحديات وطبيعتها والتي سوف تواجه الاقتصاد الوطني في الألفية الثالثة. * كاتب وباحث من الامارات