لم تعجبني حمى الألفية التي كنا مجبرين على تحملها طوال السنوات القليلة الماضية.فمنذ خاض الرئيس الامريكي حملته الانتخابية تحت شعار (بناء الجسر نحو القرن المقبل) . ثم بعد نصره, وصفه لرئاسته بأنها الأولى في والألفية الجديدة) , اصبحنا عرضة لإفراط شديد في استخدام فكرة (العصر الجديد).وعلى مستوى شخصي مثلا, انا من عائلة كبيرة هنا وخلال العام الماضي تخرج عدد من ابناء اخوتي من مدارس ثانوية وكليات جامعية. وفي كل حفل تخرج, كان المتحدث تلو المتحدث يصعد على المنبر ليقول بأن هذه هي (دفعة الخريجين الاخيرة في هذه الألفية) . وهذا يعني ان دفعات الخريجين في العام المقبل ستكون (الدفعة الاولى في هذه الألفية) . ويبدو أن كل شيء تحول ليصبح اما (آخر القديم) أو (أول الجديد) . فمن جهة اولى تحول يوم 5 يناير من احد ايام التاريخ الى حدث كوني واصبح لحظة فاصلة في الزمان, ومن جهة اخرى تعرض لعملية تسخيف وتتفيه. في كل مكان يتم الترويج للألفية ففي محلات المجوهرات مثلا هناك (صفقة مجوهرات الألفية) ثم اخذت المنافسة تحتدم لتسمية أكبر احداث الألفية ولوضع قوائم (بأبطال الألفية) . طبعا سيشهد يوم 1 يناير احتفالات مكثفة ومفرطة. إذ أن بعض الفنادق قد حصلت على حجوزات للاحتفال وصالات الحفلات فيها منذ أكثر من عقدين من الآن. وأخذ الجميع يخطط لحفلات ترف باذخة. وفي واشنطن أرسلت محطة اذاعية مذيعيها لخمسة أماكن مختلفة من العالم بحيث يمكن لها ان تثبت احداث منعطف الألفية خمس مرات يوم 3 يناير. الى ذلك فإن شبكات التلفزيون التي لاتريد ان يتفوق عليها أحد, اعلنت خططها لتغطية الساعات الاولى من الحياة في الألفية الجديدة من مواقع في شتى أنحاء المعمورة. وإذا ماكانت الاحتفالات هذه لن تتضمن الا هذا الشكل من السخف, فإن أكثر ما يقال عن الحالة انها مزعجة. لكن هناك ظواهر اخرى اخذت تتطور ايضا. ونذكر مثلا الاعتقالات الاخيرة في الولايات المتحدة وكندا والأردن والباكستان لاناس وصفوا بانهم ارهابيون مسلمون, تقول السلطات بأنهم كان يخططون لاعمال ارهابية خلال الاحتفالات بالألفية. أيضا هناك الجماعات شبه الدينية التي خططت لاعمال مأساوية بنفسها بما في ذلك مايخشى انه حوادث انتحار جماعية في مواقع دينية حول العالم. فقد قبضت السلطات في عدة دول على مجموعات من معتنقي مذاهب غريبة من المسيحية بتهمة التخطيط لعمليات انتحار جماعية بالتزامن مع العام الجديد. ومن الواضح ان هذه المجموعات تنتقد بأن افعالها تلك ستساعد في احلال نوع ما من الحكمة السماوية على الارض. على كل حال فإنه الأكثر خطرا في الحالة التي نعيشها عموما هو تمحورها الوقح والسافر حول الفكرة العرقية. والحقيقة الواضحة هي أن هذا اليوم المعني انما هو تاريخ نسبي واعتباطي بل هو ناجم عن خطأ في الحسابات ومع ذلك فإن اولئك الذين ينفثون النيران في حمى الالفية أو الذين يخططون لانهاء حياتهم مع حلوله يتجاهلون هذه الحقيقة. فيوم 1 يناير في النهاية هو نهاية الألفية لحوالي خمس البشرية تقريبا. اذ انه ليس ألفية للمسلمين ولا ألفية لليهود. كما أن الهندوس والصينين واليابانيين الذين يشكلون معاً 40 في المئة من سكان الارض لن يحتفلوا بهذه الالفية. بل إن الكنيسة المسيحية ذاتها منقسمة على نفسها بخصوص التاريخ الفعلي. فالمسيحيون الاقباط في مصر يستخدمون تقويما مختلفا, شأن معظم مسيحيي اوروبا الشرقية الاورثوذكس. اما التقويم الجريجوري وهو الوحيد الذي تصادف نهاية الالفية فيه يوم 1 يناير فهو تقويم عمره 417 عاماً فقط, وهو نفسه يرتكز على خطأ منذ بدايته. اذ ان هذا التقويم الذي من المفترض به أن يكون معيارا للزمن, يعتبر السنة التالية مباشرة لمولد المسيح هي السنة رقم 1 فيه, فيما من المفترض به ان يعتبرها السنة رقم 5, وبالتالي فإن نهاية الألفية حتى لو اتخذناه جدلا المعيار للزمن ستكون عند نهاية العام 2001 كذلك فإن واضع التقويم الجريجوري, قد وقع أيضا في خطأ آخر, اذ تعتبر أفضل الدراسات التاريخية والدينية المتوفرة الآن بأن التاريخ الفعلي لمولد المسيح لابد وانه حدث في العام 4 للتقويم المتبع حاليا. طبعا اقول ذلك وانا أعي تماما بأنه لن يثني المتشددين أو الارهابيين أو الباذخين أو مروجي المبيعات أو متعهدي الحفلات عن تجنب هذه الحمى, فعام 2000 سيحتفل به ويسوق في كل أنحاء المعمورة لأنه أصبح رمزا ذا وجهين. من وجه أول يرمز العام 2000 للتحول الذي سيوظفه البعض أمام للتفكير قدما لدراسة الماضي واستخلاص الأفكار الجديدة للمستقبل, بينما يسخفه البعض الآخر لاستغلاله طلبا للربح, أما عن الوجه الثاني الأكثر ملاءمة لواقع الحال فهو يرمز لانتصار الغرب, ليس تاريخيا فحسب, بل وانتصارهم الزمني أيضا. وفي هذا السياق من الممتع فعلا ان ننظر في القوائم المختلفة التي أخذت تتراكم مسبقا عن أهم أحداث وشخصيات القرن والألفية. الناظر لهذه القوائم سيرى فورا بأنها قوائم غربية مبنى ومعنى, ومهما كان رأي المرء في هؤلاء المدرجة أسماؤهم على هذه القوائم, فهم في نهاية الأمر الأسماء التي صاغت شكل العصر الحديث من وجهة نظر من يتربعون الآن على قمة هذا العصر الحديث وينظرون خلفهم ليروا كيف تمكنوا من الوصول إلى ما هم عليه الآن. بالتأكيد, تضم هذه القوائم أشخاصا لا يمكن انكار مساهماتهم التي قدموها للبشرية, فعلى سبيل المثال ثلث هؤلاء هم من المخترعين والعلماء من أمثال جوتنبرج واينشتاين واديسون وجايتس, ومساهمات هؤلاء مساهمات عالمية, ولو كان البعض قد أساء استخدامها, وفي الفئة ذاتها هناك الفنانون والفلاسفة والزعماء الدينيون, والذين وان كانوا يعكسون حماسة واضعي هذه القوائم لهم, يظلون أصحاب مساهمات تتجاوز مدلولات الزمان والمكان. أما الميدان الذي تبرز فيه بوضوح النزعة لابراز انتصار الغرب فهو قوائم القادة السياسيين الذين يحتلون نصف الأماكن عليها تقريبا, وهم طبعا بغالبيتهم القادة الذين حققوا الانتصارات, لأن المنتصرين بطبيعة الحال هم من يصنعون التاريخ. ومن خمسين زعيما احتلوا المراكز العليا في قوائم احدى شبكات التلفزيون مثلا, لم يوجد بينهم سوى ثلاثة فقط غير غربيين, والأهم من ذلك ان هؤلاء الثلاثة الذين اعترف بهم كقادة تاريخيين كانوا أفرادا تحدوا الغرب وهزموه لبعض الوقت على الأقل وهم: المهاتما غاندي وماوتسي تونج وجنكيزخان, على كل حال فإن جهود وضع القوائم هي جهود فارغة شأن فراغ الاحتفالات ذاتها, فهي تشير إلى نسبة الهيمنة وهي بذاتها أيضا نسبية. إذا لندع جنون الألفية يمر, فهو حتما سيمر, وسنستيقظ جميعا في اليوم التالي لنجد ان حياتنا هي ذاتها لم يتغير منها شيء في اليوم الذي يليه. أما التحدي الجديد الوحيد الذي قد نواجهه فهو تحد من صنع الانسان, وأقصد به تعطل بعض الأنظمة العاملة على الحواسب التي قد لا تكون خضعت لاعادة ضبط بحيث تتجاوز مشكلة علة القرن, لكن ذلك أيضا سيمر. وفي النهاية فإن تغير يوم لن يعني تغير عصر, بل سنظل نعيش العصر ذاته, بالتحديات ذاتها, وبالبشر ذاتهم, الذين علينا ان نتعامل معهم. * رئيس المعهد الامريكي العربي