باتت مفاوضات الوضع النهائي تلقي بظلالها على التعقيدات الهائلة لمفاوضات تسوية مدريد ـ اوسلو, في ظل موقف اسرائىلي يدعو الى استبعاد قرار حق العودة الدولي رقم (194) مع وجود حلول امريكية, وابعد من ذلك اوروبية بعيدة عن منطوق القرار المذكور.استحقاقات المرحلة آتية والقضايا الكبرى التي تشكل العناوين الرئيسية للقضية الوطنية الفلسطينية بدأت تفرض نفسها على جدول اعمال الحلول القادمة من الزاوية التفاوضية اولا, ومن زاوية الجهود الاسرائيلية والامريكية لتبهيت هذه العناوين وتحويلها الى قضايا يجري حلها بعيدا عن مرجعية الشرعية الدولية وقراراتها ذات الصلة. في العناوين المطروحة تقع قضايا اللاجئين, والحدود, والاستيطان, والمياه, والقدس, وفي المقدمة تأتي قضية اللاجئين الذين يشكلون اكثر من (62%) من مجموع ابناء الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. ومع سخونة مسألة اللاجئين وما تشكله من صداع دائم للمشروع التوسعي الاستيطاني الصهيوني, بذلت الدولة العبرية قصارى جهدها على مدى اكثر من (53) عاما لتنفيس هذه القضية, وايجاد حلول لها على قاعدة منع عودة اي فلسطيني الى ارض وطنه من خلال التوطين في البلاد العربية والتهجير الى دول اوروبا وكندا واستراليا وغيرها, وهنا لا يتسع المجال لتقديم سرد تاريخي يظهر كم هي السيناريوهات والمشاريع التي وضعت منذ الخمسينيات وحتى اللحظة لانهاء وشطب قضية اللاجئين الفلسطينيين. وبكل الحالات, من المستبعد ان تحقق عملية التسوية على طاولة مفاوضات الحل الدائم, اي نتائج او حلول شاملة تشكل حالة من الاستقرار النسبي بدون استحضار قرارات ومرجعية الشرعية الدولية, وبدون ذلك ستبقى تشكل حالة من الاستقرار النسبي بدون استحضار قرارات ومرجعية الشرعية الدولية, وبدون ذلك ستبقى تدور في دوامة من الاشتباكات التفاوضية بدون اي نتائج ملموسة على صعيد تحقيق الحد الادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق المرجعية الدولية. والان مع الانتهاء الزمني والقانوني للمرحلة الانتقالية نظريا وفق اجندة اتفاقيات اوسلو, ومع انتهاء مفعول تواقيع رعاة المرحلة الانتقالية واقصد الولايات المتحدة وروسيا بتاريخ (4/5/1999) فان مهام جسيمة اصبحت مطروحة على جدول الاعمال, واعني تحديدا ضرورة اعادة بناء الوضع الفلسطيني من جديد وتجميع عناصر القوة المتاحة بيد الحركة الوطنية الفلسطينية بقيادة ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية, تمهيدا لخلق وتوليد الحالة الفلسطينية المطالبة بالعمل على استحضار قرارات الشرعية الدولية وفي المقدمة القرار (194) الخاص بحق اللاجئين في العودة. فالعملية التفاوضية الشائكة والمعقدة جدا لمفاوضات الحل الدائم يجب ان تسند الى الاطار السياسي والمرجعية الدولية بعيدا عن منطق الاحتلال ومفهوم الدولة العبرية التي ترمي الى استبعاد القرار (194) وحل قضية اللاجئين تحت عنوان انساني يتمثل في التأهيل والتوطين والتهجير الى بلدان العالم المختلفة. ان عملية استحضار قرارات الشرعية الدولية, لا يمكن ان تتم بقرار ذاتي بيروقراطي اداري من وراء الطاولة, بل تحتاج الى مجهود فلسطيني فاعل ومؤثر, واعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي, والوصول الى خطوط اجماع قومي وطني فلسطيني تقوم على حدود قرارات الشرعية الدولية في مواجهة (الاجماع القومي الصهيوني الاسرائيلي) الذي شرع له ودعا له نتانياهو, باراك.. هكذا نعيد قضية اللاجئين الى اصولها, فهي لب وجوهر القضية الفلسطينية, وعلى قاعدة تشريد الشعب الفلسطيني قام المشروع الصهيوني التبديدي الاقتلاعي للشعب الفلسطيني من فوق ارضه الوطنية. ان الشرعية الدولية وقراراتها, وعلى الاخص القرار (194) معطوفا عليه جميع القرارات التي سبقت القرار (181) والقرارات اللاحقة, تعتبر اسلحة فتاكة اذا احسن استخدامها وتم ادارة العملية الصراعية الاشتباكية التفاوضية مع الدولة الاسرائيلية التوسعية, وبالروافع العربية والدولية الداعمة. باراك: لا عودة لأي لاجئ مواقف باراك وبرنامجه الحكومي تجاه العملية القائمة حاليا في الشرق الاوسط على المسار الفلسطيني ـ الاسرائىلي الاخيرة التي جرت في (مايو 1999), وعاد باراك وافصح عنها اكثر من مرة في واشنطن, وفي حاجز ايرتز وفي مجمل تصريحاته السياسية المتتالية. وفي اللاءات المعلنة لباراك, يؤكد بأنه (لن يسمح بعودة اي لاجئ فلسطيني واحد الى داخل الخط الاخضر) , وهذا الموقف ينسجم مع مواقف الاطار العريض جدا من مختلف الكتل والاحزاب السياسية داخل الدولة العبرية التي تجمع على رفض عودة اي لاجئ بما في ذلك (حركة ميرتس اليسارية) . وبالاصل كانت اتفاقيات اوسلو قد قذفت قضية اللاجئين الى لجنة اللاجئين في المفاوضات المتعددة الاطراف ودون استناد الى القرار الدولي (194), وعندما بدأت الجلسة الافتتاحية الاولى اليتيمة لمفاوضات الحل الدائم في (مايو 1996) في طابا, اشترط اوري سافير ممثل اسرائيل انذاك في المفاوضات عدم التطرق للقرار (194) والا فانه سوف ينسحب من الاجتماع, فما كان من المندوب الفلسطيني محمود عباس سوى الاستجابة للموقف الاسرائيلي الذي اعلنه اوري سافير. لذا فان السلطة الفلسطينية مازالت الى الان تتعاطى مع موضوع اللاجئين دون الاستعداد والتحضير, الى درجة بات معظم ابناء التجمعات اللاجئة في مخيمات الضفة والقدس الشرقية (550 الفا) وقطاع غزة (700 الفا) وفي مخيمات الشتات الفلسطيني (3.5 ملايين) يعيشون حالة من القلق والخوف من المستقبل المجهول في حال استمرار السلطة الفلسطينية بموقفها الراهن. اننا بحق نملك الاسلحة التفاوضية التي تحظى بالشرعية الدولية وباجماع العالم بأسره, لكن هذه الاسلحة تحتاج الى الحركة الوطنية الفلسطينية الواحدة الموحدة لتحملها وتشرعها في وجه الدولة العبرية, ويمكن لها بالدعم والاسناد والروافع العربية والدولية ان تفرضها علي الطاولة تمهيدا لدفع الدولة الاسرائىلية للقبول بمنطق الحلول الوسط على اساس المرجعية الدولية. الموقف الامريكي تماثل مع الاسرائيلي بصدد قضية اللاجئين وبالنسبة للموقف الامريكي تجاه موضوع وقضية اللاجئين الفلسطينيين, فهو موقف منسجم مع الموقف الاسرائىلي الى حد بعيد. لذا فالادارة الامريكية ابتدأت منذ توقيع اتفاقيات اوسلو (1993) بالامتناع عن التصويت على القرار (194) الخاص بحق اللاجئين في العودة في الجمعية العامة للأمم المتحدة, متمثلة بذلك الموقف الاسرائيلي الذي لا يستطيع ان يعترض على القرار عند التصويت عليه باعتبار ان عضوية اسرائىل في الامم المتحدة قبلت على اساس عدم معارضة القرار (194). اذا فالموقف الامريكي في الامم المتحدة تجاه القرار (194) جاء في سياق اسس تداعيات تسوية مدريد ـ اوسلو, وفي سياق الانسجام والتماثل مع الموقف الاسرائيلي برفض عودة اي لاجئ فلسطيني الى ارض وطنه. لذا اطلت ونشطت منذ اوسلو (1993) المشاريع الامريكية الممولة بشكل مختبئ تحت يافطة وكالة الاونروا, وتحت عنوان برنامج تطبيق السلام الذي يهدف الى المساعدة على توطين اللاجئين حيث هم. وبرز الموقف الامريكي صارخا في كواليس الدبلوماسية السرية اثناء وبعد اجتماعات لجنة اللاجئين في المفاوضات متعددة الاطراف لدفع الحكومة الكندية باعتبارها تستضيف اللجنة, لاجراء اختبارات مشاريع التوطين. وهنا لم تتوقف الرسل في زياراتها لمواقع اللاجئين في الشتات خاصة فوق الارض اللبنانية. ان الموقف الامريكي لا يمكن كسره بالاستجداء, وانما بالعودة الفلسطينية والعربية الى المرجعية الدولية والى مظلة الامم المتحدة وقراراتها ذات الصلة, وبالاصرار على استمرار وكالة الاونروا في تأدية خدماتها وواجباتها تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين الى حين عودتهم الى وطنهم طبقا لقرار انشائها الذي ربط بين استمرارها وانهاء خدماتها الى حين تنفيذ القرار (194) بعودة اللاجئين