انضمام تركيا الى عضوية (الاتحاد الاوروبي) كما هو متوقع, سوف يعني الزوال النهائي لما تبقى للشعب التركي من الهوية الاسلامية. هذا هو التخوف الاعظم الذي يراود قطاعات جماهيرية من الشعب التركي بقدر ما يؤرق شعوب العالم العربي والعالم الاسلامي . ولكن لو تأمل الحادبون على الاسلام في تركيا في الشروط التي يجب ان تستوفيها تركيا للانضمام الى الاسرة الاوروبية لربما ذهب تخوفهم او بعضه. لقد دخلت تركيا منعطفا تاريخيا في وقت مبكر من هذا الشهر عندما وافق اجتماع رسمي لدول الاتحاد الاوروبي اخيرا على وضع الدولة التركية على قائمة الدول الاوروبية (كالمجر وبولندا مثلا) المرشحة للانضمام الى عضوية الاتحاد. بكلمات اخرى حصلت انقرة على القبول المبدئي... ويبقى عليها ان تتحصل لاحقا على القبول النهائي. وهنا تأتي مسألة الشروط والوفاء بها... والا فلا قبول نهائيا. وفي مقدمة هذه الشروط الغاء القيود الدستورية والقانونية المفروضة على النظام الديمقراطي بما يعني تحجيم سلطات اجهزة الامن على طريق سيادة القانون بصورة كاملة وعدم المساس بالحريات الاساسية. فماذا يترتب على ذلك في الاوضاع التركية التقليدية؟ اول ما يترتب عليه هو إقصاء الجيش عن جهاز الحكم مما يتطلب بالضرورة اعادة كتابة الدستور. فالدستور الحالي وضعه جنرالات الجيش قبل 19 عاما عقب انقلاب عسكري في عام 1980. وبموجب هذا الدستور يملي الجيش ارادته على الحكومة والبرلمان والحياة السياسية عموما عن طريق جهاز اعلى للحكم يطلق عليه (مجلس الامن القومي) . واعادة كتابة الدستور بما يعني تحرير الحكم من سلطة الجيش سوف يكون اخبارا سارة للاسلاميين في تركيا. ونذكر كيف ضغطت مجموعة الجنرالات في مجلس الامن القومي العام الماضي على البرلمان والاحزاب العلمانية لاقصاء وزراء حزب (الرفاه) الاسلامي من الحكم... ثم كيف واصلت ضغطها بعد ذلك لحظر الحزب نفسه. وكانت النتيجة انه تم انشاء تنظيم اخر تحت اسم (حزب الفضيلة) وترافق مع هذا كله حملات تطهير في صفوف القوات المسلحة والخدمة المدنية اقصى خلالها اعداداً كبيرة من الضباط والموظفين من ذوي الميول الاسلامية. ان الدستور الجديد الذي يمكن لتركيا بموجبه نيل عضوية النادي الاوروبي لن يتيح للدولة مثل هذه الممارسات لان الاتحاد الاوروبي يحظرها كخروقات لحقوق الانسان. ونعرف ان المنظمات السياسية الاسلامية في الدول الاوروبية تمارس انشطتها في حرية كاملة دون ان تستطيع اي حكومة اوروبية حظرها او التحرش بها الا وفقا للعدالة القضائية. ولا شك اذن ان انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي وسوف يعني تحرر التنظيمات الاسلامية التركية في القيود المفروضة عليها مما يتيح لها توسيع انشطتها وتصعيدها وبالتالي اكتساب المزيد من الارض السياسية واستقطاب المزيد من المؤيدين دون خوف. سوف يكون متاحا لهذه التنظيمات تكوين منظمات شبابية ونسائية ونشر التثقيف الاسلامي عن طريق اقامة المزيد من المدارس والجامعات الاسلامية دون ان تخشى تحرشا من السلطة. وربما تتغير الصورة على الصعيد الخارجي ايضاً, فاندماج تركيا داخل المنظومة الاوروبية مما يعني ارتباطها بصورة اوثق بالسياسات الاقتصادية وبالتالي التوجهات السياسية والاستراتيجية للمجموعة الاوروبية الجانحة نحو الاستقلالية سوف يكون قطعا على حساب ارتباط تركيا بالولايات المتحدة... وبالتالي مع اسرائيل. فبقدر ما تتوطن تركيا داخل الاسرة الاوروبية بقدر ما يضعف اعتمادها على الولايات المتحدة. وتحرر تركيا من النفوذ الامريكي ولو نسبيا سوف ينعكس سلبيا على العلاقات التركية الاسرائيلية. ان هذه المؤشرات يجب ان تكون سببا للتفاؤل لدى الشعوب العربية والاسلامية عوضا عن التخوف.