هناك عقلاء جداً سوف يدفعون 2000 دولار ثمناً لوجبة عشاء ليلة رأس السنة ونهاية الألفية, وآخرون حجزوا بالفعل أماكن في مطاعم سوف يدفعون لها ما قيمته ثلاثة آلاف جنيه استرليني للعشاء والسهرة, وحاولت أن أكون عاقلاً فأضحي براتب شهر لقاء عشاء من هذا النوع, الا أنني وجدت من هو أعقل مني وسبقني بالحجوزات, فهذه تمت عام 98 وما قبلها, مع دفع المبالغ مقدماً . طبعاً حجزي في مطعم سافوي بلندن أو رينبو روم في نيويورك ليس الا مزحة لا أعتقد أن قارئاً عاقلاً يمكن أن يصدقها, وأفضل بثمن وجبة عشاء كالتي يتسابق عليها أثرياء وغاوون لقضاء ليلة رأس الألفية, أن أسافر لشهر كامل الى الهند مثلا أو تايلاند أو غيرهما من البلدان مع الاقامة الشاملة, لولا أننا في رمضان, وهذا من رحمة الله علينا لكي يمر جنون الألفية بسلام, فلا يصيبنا بخفة عقل كالتي تصيب العالم هذه الأيام. وهكذا فإننا سوف نسلم على فلوسنا وعلى عقولنا معاً, مقابل ملايين من البشر يستعدون للاحتفال بنهاية الألفية ورأس السنة في أكثر بلدان العالم, الثرية منها والفقيرة معاً, كل بطريقته وعلى مستواه أو على قد بساطه, فاذا اكتفى الفقراء بألعاب نارية ومفرقعات وحفلات موسيقى شعبية, فان الاغنياء باحتفالات ضخمة ومشروعات عمرانية ومآكل ومشارب وهيصة وزمبليطة, كاحتفالات نيويورك ولندن مثلاً. فبريطانيا أنفقت حوالي 6 مليارات دولار لانجاز حوالي 70 مشروعاً من مشروعات الألفية, بدءاً من القبة العملاقة وصولاً الى عجلة عين لندن, والقصد طبعاً من بعد الاحتفالات بالألفية هو جذب مزيد من السياح الى الامبراطورية التي غابت عنها الشمس, ليس مناسبة الألفية سوى المدخل الرئيسي لتطوير صناعة السياحة, التي تدر مليارات سنوياً على بريطانيا التي يزورها كل عام ما يفوق 30 مليون زائر. واحتفالات الألفية تمتد في أكثر من مئة دولة ليلة رأس السنة, من استراليا شرقاً مروراً بمنطقتنا العربية حيث احتفالات بيت لحم وبيروت والقاهرة وصولاً الى لندن فنيويورك, سيتمكن مئات الملايين من البشر من مشاهدتها على الهواء عبر شاشات التلفزيونات العالمية التي ستنقل عشرات من الحفلات الموسيقية والألعاب النارية وافتتاح المشروعات وغيرها, وذلك لمدة 24 ساعة, نظراً لاختلاف الوقت, حيث تشهد بلدان كنيوزيلندا حلول الألفية عليها قبل غيرها. وهكذا فان فنادق في مدن كلندن او نيويورك أو غيرهما محجوزة بالكامل ومثلها المطاعم وأماكن الترفيه, حتى على الرغم من مخاوف وتحذيرات من مخاطر بسبب علة القرن الصفرية المعروفة أو بسبب عمليات ارهاب, ما جعل الاسعار تقفز الى حدود خرافية, فمن يصدق مثلاً ان وجبة عشاء يمكن ان تصل الى 2000 دولار في مطعم بنيويورك والى 3000 دولار في آخر والى 3000 جنيه استرليني في مطعم بلندن؟ وبما أن العالم اليوم بيزنس في بيزنس, فان لكل مجتهد في البيزنس نصيب, من أصحاب الفنادق والمطاعم الى سواقي التاكسيات وبائعي الترمس ومروجي قمصان الألفية وألعابها وغيرهم كثير, غير أن رزق الهبل يبقى دائماً على المجانين, وكلما كثر هؤلاء كلما زاد رزق المهابيل, ومنهم على سبيل المثال جليسات الاطفال في بريطانيا, اللائي ارتفع اجرهن الى ألف جنيه استرليني دفعة واحدة وذلك نظير جلوس الواحدة منهن مع الأطفال ليلة رأس السنة, ما يجعل من هذه الليلة أغلى ليلة في التاريخ فعلاً, يدفع ثمنها عقلاء جداً في العالم وهم يضحكون.