دأب الكثير من المحللين والسياسيين والمتخصصين بالشأن الروسي في تحليلاتهم, على اعتبار ان الانتخابات الروسية الحالية ستشكل ليس محطة في تاريخ روسيا الحديث وحسب, بل انقلابا عاما على المستويين الداخلي والخارجي, خاصة بعد العودة القوية للحزب الشيوعي الروسي بقيادة امينه العام زيوجانوف المتحالف مع يسار الوسط بقيادة المستشرق المخضرم يفجيني بريماكوف, والقوى القومية بقيادة جيرنوفسكي والجنرال ليبيد المتعصب قوميا, والذي قاد التسوية السابقة مع الشيشان, ونجح فيما مضى بالحفاظ على ماء الوجه لروسيا عموما ولجيشها المهزوم آنذاك بشكل خاص, ولعل البعض قد ذهب في خياله الى ابعد مدى قد يصل له هذا الخيال المتقد الحالم, في تجاهل حقيقة مرة يعيشها الشعب الروسي بكل فئاته وشرائحه الاجتماعية راهنا, وسيعيشها على المدى المنظور ايضا لان التاريخ كما نعلم لايمكنه العودة الى الوراء, ولا يمكن لقوة ايا كانت ومهما امتلكت من عوامل وعناصر القوة, ان تستحوذ وحدها على الزمن بما يحمل من مفاجآت, وان توقف عقارب الساعة, من خلال شعار سياسي او موقف ايديولوجي فضفاض قد يتغنى به البعض, خاصة بعد ان غير الانهيار الكبير بنية العقل الروسي, ونمط التفكير الذي كان سائدا قبل ذلك, والذي عكس نفسه سلبا على بنية المؤسسات واليات عملها بل واكثر من ذلك اجندتها, التي اصبحت همها الاول والاخير الانضمام الى اوروبا الموحدة. بل واكثر من ذلك, باتت تعتبر استراتيجيتها وجل اهدفها, خلق حالة متطابقة مع النمط الغربي, حتى اننا بتنا نشهد هذه الاهداف الصعبة المنال بالنسبة الى الروس, عند اكثر الفئات والاحزاب السياسية المدافعة عن تمايز واستقلالية الشخصية الروسية, وتاريخها الامبراطوري, واصبحت كغيرها من الاحزاب الاخرى الممثلة بقائمة لائحة الوحدة التي تعبر عن حال وسياسات الحكومة الحالية بقيادة يلتسين, والاكثر من ذلك بدأ البعض فور اعلان نتائج انتخابات مجلس الدوما الروسي, يهلل لعودة الشيوعيين على اعتبار انهم سيقلبون الطاولة على مناوئيهم من يمين الوسط واليمين الذي يمثله رئيس الوزراء بوتين , بدعم مباشر من رئيس الدولة يلتسين واصحاب الاتجاه الانفتاحي على الغرب, فالحقيقة ان هذه النتائج المتقاربة في الانتخابات خاصة بين الشيوعيين, الممثلين بقائمة حركة الوحدة, ولائحة الوحدة الممثلة للحكومة, هي تعبير عن الضياع الذي يعيشه الناخب الروسي خاصة واننا علاوة على الـ (26) قائمة المشاركة في الانتخابات التشريعية, نلحظ كتلة مذهلة من المرشحين الافراد والذين يقدر عددهم بـ (2387), وان هذه الانتخابات, اذا قامت على النزاهة او التزوير, فالامر بالنسبة لما تعيشه موسكو واتحادها الفدرالي سيبقى كما هو على حاله على المدى المنظور على اقل تقدير, وان بوتين بتحالفه مع الاوساط السياسية المالية الروسية من جهة وجينادي زيوجانوف بحزبه الشيوعي الحالم والمتمسك بالشعار الايديولوجي من جهة اخرى لن يقوى على ترميم ما خلفه الانهيار, وان النداء الذي اطلقته حركة عموم الشعب (من اجل النصر) الروسية, بمناسبة الانتخابات البرلمانية, والذي توج بعنوان (من أجل انتصار وطنيي روسيا.. من اجل النصر.. انهضي ايتها البلاد العظيمة) والذي تضمن في اهم بنوده ثلاثة اهداف اساسية اهمها: ـ انقاذ شعوب روسيا. ـ تعزيز كلية نظام الدولة ووحدة البلاد. ـ التغلب على الانهيار الاقتصادي. بالاضافة الى ما اعلنته الحركة الوطنية, بأنها فور وصولها الى السلطة ستبدأ باتخاذ اجراءات اهمها الاصلاح الدستوري بزيادة مسئولية السلطة امام الشعب, وتسديد الديون المترتبة في الاجور والمعاشات التقاعدية والمعونات الاجتماعية والمنح الطلابية, وتخفيف تعرفة مصادر الطاقة والنقل والاعباء الضريبية, وايقاف نهب الريف, وسحق الجريمة, وترسيخ العدالة والمساواة امام القانون, وبعث القوة الدفاعية للبلاد. لا تعدو اكثر من كونها صرخة انتخابية, او على وجه الدقة دغدغة مشاعر الناخبين, وستبقى روسيا تعاني جملة من المشكلات المستعصية التي لم تجد منذ بداية التسعينيات طريقا واضحا لها باتجاه الحل, والتي كانت محتواة ايام العهد الشيوعي السابق بفضل الحكومة المركزية التي كانت قائمة انذاك, والتي اعتمدت الشكل البوليسي العسكرتاري, وفي احلال السلم الاجتماعي من جهة, والمحافظة على ما كان يسمى (بالاتحاد السوفييتي) سابقا, الذي كان قائما من جهة اخرى, وكانت الاقدر على تصدير ازماتها الى الخارج بالاتكاء على عامل الايديولوجيا. واذا كانت الحرب الدائرة في الشيشان قد عززت من دور اللوائح الانتخابية لدى الشارع الروسي, فانه في الفترة المقبلة القريبة, لن تجد هذه القوى بكليتها وعلى اختلاف مشاربها السياسية والايديولوجية, ما يمنحها ماء الوجه امام الوضع الروسي الاخذ بالتردي, على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, بالاضافة الى الثورات القومية التي لن تتوقف نهائيا, وان اي توقف قسري سيبقى مؤقتا, اي انه سيبقى نارا تحت الرماد, يفتش عن لحظة ضعف قد تظهر في المركز. حتى التصريحات التي صدرت عن الغرب خاصة بريطانيا, عن ان نتائج الانتخابات, جاءت لتعبر عن بداية لعوامل الاستقرار السياسي, بسبب التقارب بين قائمة الحزب الشيوعي وانصاره, وقائمة الكرملين, واتساع الهامش الاصلاحي عند جمهور الناخبين الروس, ليست دقيقة ابدا, حيث افاد رئيس اللجنة الانتخابية المركزية انه 41.7 مليون ناخب من أصل 107 ملايين شاركوا في الانتخابات, أي بنسبة 39% من مجموع الاصوات لتتجاوز بالتالي عتبة الـ 25% الضرورية لشرعية الانتخابات, وهذا بحد ذاته يعتبر موقفا سليما على المستوى الشعبي من العملية الانتخابية برمتها, خاصة وان جموع الناخبين لم يصلوا الى نصف العدد, فالمشكلة تتلخص بأن الشارع الروسي بات اقرب الى التجريبية فيما يخص مستقبله, وانه من خلال هذه الحالة باتت تتجاذبه عوامل اليأس والامل, بالتطلع الى المستقبل تارة, والعودة الى اجترار التاريج القريب بالنسبة له تارة اخرى, ظنا منه انه بهذه الهواجس قد يلامس جنبات الفرج او يقف على عتبات الحلول لمشكلاته المستجدة منها, والمستعصية كما اسلفنا. ولعل الامر في روسيا بات ينتظر انقلابا على كل ما هو سائد, وان الانتخابات التشريعية وما سيصدر عنها من قرارات بعد تشكيل مجلس الدوما لن يحل المشكلات, ولن ينتج صيغا على المستويين الداخلي بما يحمل من امراض اجتماعية ـ اقتصادية وعلى المستوى الخارجي لجهة العودة الى الدور الروسي على المستوى الاقليمي والدولي, إلا بتجاوز المخاضات العسيرة التي تعيشها روسيا منذ زمن الانهيار بالارتكاز الى المؤسسة العسكرية واعطائها دورها التي كانت تحظى به محليا ودوليا. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق