نظرا لطول امد المفاوضات الاسرائيلية العربية, والفلسطينية منها خصوصا, وتعدد مساراتها ومراحلها, وتنوع قضاياها وموضوعاتها, فقد اصبحت, رغم تقطعها, وتوقفها احيانا, وعدم انتظامها, كالمواسم او المناسبات التقليدية. وفي المواسم تنشط حركة البيع والشراء, ويكثر الوسطاء والدلالون والسماسرة. وترتفع الاسعار او تنخفض , حسب سوق العرض والطلب ونوع البضاعة, وموقف المستهلك, اي المواطن, من حركة السوق, وقدرته على تمييز نوع البضاعة المطروحة, وصلاحيتها, ومدى قدرته على رفض الفاسد منها, وافشال صفقات بيعه, ومنع تداوله. وتعتبر مفاوضات الحل النهائي, او الوضع الدائم كما تسمى تخفيفا, موسما خصبا لهؤلاء السماسرة والوسطاء, حيث تنشط حركتهم واتصالاتهم, وتتعدد لقاءاتهم بالمسئولين العرب والفلسطينيين, والاسرائيليين طبعا. ويقف في المقدمة من هؤلاء, مبعوثو (الراعي) الاوحد, او (الذئب) الاكبر رسل الادارة الامريكية, بعد ان اختفى (الدب) السوفييتي وتحول الى (حمل) ضعيف, لم يعد صوفه قادرا على حمايته من صقيع روسيا او لهيب القوقاز, ولم تعد بنيته الهزيلة قادرة على مقاومة شروط البنك الدولي ومساوماته, ولا على الدفاع عن مصالحه وتحالفاته السابقة في بلدان العالم الثالث, بما فيها منطقة الشرق الاوسط التي تمثل عمقا امنيا واستراتيجيا حيويا بالنسبة له. ويتبع رسل الادارة الامريكية, رسل الاتحاد الاوروبي ومبعوثوه, الذين يبحثون عن دور هامشي, في ظل طغيان الدور الامريكي, يحفظ لهم بعض المصالح المتبقية من عهد امبراطوريتهم القديمة, ويؤكد حضورهم في اي ترتيبات سياسية او استثمارات اقتصادية قد تفرزها التسويات. وهو اشبه ما يكون بالدور الذي اعطي لهم في حرب الخليج الثانية, حين اصطفوا او جلبوا هم وغيرهم من دول العالم الاخرى خلف الحشد الامريكي, وانخرطوا في عملية العدوان على العراق عام 91 على امل الفوز ببعض الغنائم التي تتصدق بها عليهم, او تتركها لهم الادارة الامريكية. لكن الناظم العام, الذي يحكم موقف هؤلاء الوسطاء الامريكيين والاوروبيين, ان لم يكن الانحياز للموقف الاسرائيلي كليا, كما هو حال الموقف الامريكي, فهو في اقل الحالات عدم الضغط على اسرائيل, وفي كل الحالات, ترويض الموقف العربي والفلسطيني, ودفعه للقبول بالشروط الاسرائيلية. وهناك نوع من السمسرة السياسية اخطر من هذه الوساطة العلنية, يمارسها في اطار سري, اشخاص او هيئات مظهرها العام غير سياسي. هذه الهيئات تتغطى تحت عناوين مراكز الدراسة او البحث, ويندرج مبعوثوها تحت مسميات الدارسين او الباحثين او الخبراء. وهؤلاء لم يتوقفوا طيلة السنوات الماضية عن زيارة بلادنا ومنطقتنا, والاقامة فيها لفترات طويلة, والتجول في الاوساط الشعبية بحجة الدراسات الميدانية, واجراء استطلاعات موجهة, او عقد ندوات ومحاضرات بوصفهم خبراء, او ادارة ما يسمونه (ورش) عمل او طاولات مستديرة, يخرجون علينا فيها بترجمات عربية لتعبيرات غربية كمسميات (العصف الفكري) , التي تستهوي بعض مثقفينا وسياسيينا فينخرطون مع هذه الجهات, ويستجيبون لمخططاتها عن دراية احيانا, وعدم دراية غالبا. دون ان يدققوا في طبيعة الجهات التي تقف وراء هؤلاء المبعوثين, ومصدر الاموال التي تنفق على نشاطاتهم, او تغدق على بعض مؤسساتنا الدراسية والبحثية. وخلاصة هذا الجهد المتنوع, هو ترويج الافكار والحلول الغربية والاسرائيلية لقضايانا الوطنية, والخروج بنتائج ودراسات, تلقم لسياسيينا ومفاوضينا كسلاح لهم في مسارهم التفاوضي, فتكون كالذخيرة الفاسدة التي تقتل صاحبها دون ان تصيب خصمه بأي اذى. ومن يدقق في العديد من الاقتراحات والافكار التي صدرت عن هذه الجهات في موضوع اللاجئين الفلسطينيين تحديدا, والتي شارك فيها للأسف بعض الخبراء الفلسطينيين يلحظ انها لاتخرج عن هذا الاطار, حيث تستبعد الحق الوطني في العودة للاجئى الشتات, وتستثني من صفوف اللاجئين حوالي مليوني فلسطيني يقيمون في الوطن داخل وخارج المخيمات وتغرق في بحث تفصيلات الجوانب الانسانية والاقتصادية فقط. اما النوع الثالث, وهو الاكثر اثرا, والاشد خطرا من فئتي الوسطاء والسماسرة فهم الدلالون ومصدر الخطر انهم يخرجون من بيننا فبين الحين والاخر تطلع علينا اصوات يحتل اصحابها مواقع مسئولة فتطلق تصريحات تعتبر غير مألوفة حتى في تقاليد واصول (الدلالة) اذ ان محترفي الدلالة عادة مايقدمون بضاعتهم ومنتوجاتهم فى احلى صورة, ويرجون لها بأفضل الصفات واحيانا يفندون مساوىء بضاعة خصومهم ويفضحون كل تزويق لها لكن الحال التي نشير اليها تفعل ماهو مخالف لذلك تماما فبعض الاصوات الفلسطينية تروج لبضاعة عدوها السياسية وتتبنى منطقه, اذ يتبرع هؤلاء بتقديم وجهات نظر في حل قضية اللاجئين وهي الاساس في القضية الفلسطينية تأخذ تماما بوجهه النظر الاسرائيلية فأحدهم اعتاد ان يردد علنا, واكثر من مرة ان الجانب الفلسطيني لا يطالب بعودة اللاجئين الى اراضيهم وممتلكاتهم التي طردوا منها عام 1948 متنازلا عن حقوق لايملك هو او غيره حق التصرف فيها, ومفرطا بحقوق كفلتها لنا قرارات الشرعية الدولية التي نستند اليها في معركتنا التفاوضية. واخر يفسر عودة اللاجئين الى ارضهم ووطنهم على انها انتحار لدولة اسرائيل ويعلن عن تفهمه لرفض اسرائيل حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وثالث يعتبر المرجعية الوحيدة لمفاوضات الحل النهائي القرار 242 مسقطا كل قرارات الشرعية الدولية الاخرى التي تتعاطى مع قضية فلسطين, والتي يعتبر القرار 242 اقلها استجابة للحقوق الفلسطينية. وحين تصدر مثل هذه الاصوات عن جبهتنا الداخلية ومن مواقع مسئولة فيها, ندرك مدى الخلل والضعف الذي اصاب جبهتنا الداخلية, وحجم الثغرات التي ينفذ منها اعداؤنا, ويصبح الخطاب السياسي الاعلى سقفا غير مسموع, بل ويفقد مصداقيته لدى الشعب صاحب القضية. وتنعدم الثقة اكثر في امانة المسئولية, وفي امكانية الحصول على الحد الادنى من الحقوق الوطنية. ومن المفارقات المؤلمة, ان مثل هذه التصريحات تصدر في وقت بات بعض مسئولي العدو, ومؤرخيه, يعيدون النظر في مواقفهم, وفي مقولاتهم التاريخية. فبعد العاصفة التي اثارها تقرير المؤرخ الاسرائىلي زئيف هيرتزوغ حين نسف كل المقولات التوراتية التي بنيت عليها المقولة الصهيونية حول حقوقهم التاريخية في فلسطين, جاءت تصريحات عضو الكنيست الاسرائيلي من حزب العمل يوسي كاتس, ورئيس الشاباك الاسرائىلي السابق يعقوب بيري التي تحدثا فيها عن تأييدهما لحق اللاجئين في العودة الى داخل الخط الاخضر (داخل اسرائيل) ـ بغض النظر عن الاعداد التي اشار اليها كاتس ـ. وعن ضرورة اعتراف اسرائيل بمسئوليتها عن نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتهم. ان مثل هذه المواقف والاراء لم تأت الا نتيجة صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه, واصراره عليها, واستعداده لمواصلة التضحيات في سبيلها. والاستنتاج الذي يجب ان يستخلص من مثل هذه المواقف الجديدة هو المزيد من التمسك بثوابتنا الوطنية والاصرار عليها, لدفع خصومنا الى المزيد من التراجعات. فحين يتراجع عدوك عليك بالتقدم لا بالتراجع. ولذلك فان من المهم لتوفير الشروط الضرورية لتحصين الموقف الفلسطيني والعربي هو اسكات اصوات (الدلالة) النشاز, ووقف نشاط السماسرة الذي يلبسون زي الخبراء والباحثين, والحذر من تحركات الوسطاء, ومقترحاتهم التي تتناقض كليا مع حقوقنا الوطنية والقومية.