في فيلم (الآنسة حنفي) ـ الذي قام ببطولته (اسماعيل ياسين) و(ماجدة) في منتصف الخمسينيات, يقوم (سليمان نجيب) بدور تاجر غني, باع كل ممتلكاته, ودفع ثمنها رشوة لأحد وسطاء الملك (فاروق) لكي يحصل على رتبة البيكويه فتضفي عليه هيبة تمكنه من استغلال نفوذه واسترداد أضعاف ما دفعه . وبعد أيام قليلة من حصوله على الرتبه, كانت الثورة قد قامت, وكان الملك قد عزل وصودرت أمواله, وكانت الألقاب قد ألغيت فطارت البيكويه وطارت معها نقوده, فلما ذهب إلى الادارة التي تدير أموال الملك المصادرة يطلب استردادها رفضوا أن يدفعوا له مليماً لأنه لم يقدم أي إيصال يدل على أنه قد دفع شيئاً, فكان كلما تعرض لموقف يفضح إفلاسه, ويكشف عن تدهور قيمته, يضرب جبهته بكفه في ندم بالغ ويقول: ـ آخ.. بس لو كنت خدت الوصل! وفي منتصف الستينيات, وبعد خمس سنوات امضاها الشيوعيون المصريون في المعتقلات, غادروا منفى الواحات, واصدرت قيادة الحزب الشيوعي المصري قرارا بحل الحزب, وانضمام اعضائه كأفراد إلى الاتحاد الاشتراكي.. وفي مساء اليوم الذي نشرت فيه الصحف القرار, التقيت بصديق من اعضاء الحزب القدامى, فوجدته ثائراً لأن أحداً لم يأخذ رأيه في قرار حل الحزب, الذي ضحى في سبيله بعشرين عاما من عمره قضاها سجينا ومطاردا ومفصولا, ووجدته عازما على مقاضاة قيادة الحزب أمام المحاكم مطالبا بالتعويض عن تضحياته في سبيله, وباسترداد اشتراكاته.. وكانت مشكلته أنه لايملك أي مستند يثبت أي وجود للحزب ـ الذي كان سريا ومحظورا ـ أو يدل على أنه كان عضوا به, أو أنه كان يدفع اشتراكات به.. ساعتها غلبتني النكته فخبطت على جبهتي وقلت له: آخ. بس لو كنت خدت الوصل.. ذلك ايضا ما فعلته, وما قلته, بمجرد أن استمعت الى اعلان الرئيس الامريكي (كلينتون) بأن سوريا واسرائىل قررتا استئناف المفاوضات المباشرة بينهما لأول مرة على الصعيد السياسي, وأن الرئىس الأسد قد أناب عنه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع, لكي يتفاوض مع رئيس الوزراء الاسرائىلي باراك.. إذ لم يكن للاعلان سوى معنى واحد, هو ان القرن العشرين يأبى أن يرحل, قبل أن يستصدر من العرب قرارا بحل حزب الصراع مع اسرائىل, والانضمام ـ كافراد ـ الى الاتحاد الاسرائىلي الامريكي. لحظتها جريت في الزمن نصف قرن الى الوراء. حسبت مادفعته من اشتراكات في هذا الحزب: مصروفي الشهري الذي تبرعت به وأنا تلميذ بالمدرسة الاعدادية لاسبوع تسليح الجيش عام 1953, بعد أن هزتني انشودة شهيرة لمحمد عبدالوهاب غناها حينذاك يقول مطلعها (زوّد جيش أوطانك.. واتبرع لسلاحه.. علشاني وعلشانك بيضحي بأرواحه) . كتاب (اسرائىل: العدو المشترك) الذي اشتريته بالنقود التي أعطاها لي أبي لكي اذهب الى السينما. نصف مرتبي الذي كنت افضل ان اشتري به كتبا عن الصراع العربي الاسرائىلي عن أن ادفعه ثمنا لقميص أو بنطلون. هتافات الطلبة المصريين في مظاهرات 1968 وهي تقول (وديتوا فين فلوسنا واليهود بتدوسنا) و(عاوزين صحافة حرّه.. العيشه بقت مرّه) صوت الرائد (عاصم الوكيل) وهو يلكمني في وجهي ويقول: (ديمقراطية ايه يا ابن ... اللي انت عاوزها والبلد في حرب مع العدو.. انت أكيد صهيوني) . وذات يوم بارد من يناير 1981, قبض عليّ أنا وصديقي (حلمي شعراوي) وكنا ـ ضمن فريق من المثقفين ـ نوزع بياناً أمام الجناح الاسرائىلي في معرض القاهرة الدولي للكتاب, يدعو رواده لمقاطعة الجناح.. وفي سجن الاستئناف أودعونا في زنزانة ومعنا ثالث عرفنا منه أنه ينتظر البت في طعن بالنقض على حكم بالاشغال الشاقة صدر ضده بسبب تجسسه لاسرائىل.. ورابع كان قد حكم عليه بالعقوبة نفسها, بسبب تعاونه مع العدو الذي هو منظمة التحرير الفلسطينية.. وكنا حزانى, لأننا عشنا إلى اليوم الذي استمعنا فيه إلى وكيل النيابة الذي حقق معنا, وهو يوجه إلينا ـ في نهاية تحقيق مرهق وطويل ـ تهمة القيام بعمل عدائي ضد دولة أجنبية صديقة هي اسرائىل, بما يهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية معها.. ولم يكن الجاسوس الاسرائىلي حزينا, إذ كان واثقا أنه سيخرج من السجن, سواء قبل الطعن أو رفض. وقال لنا انه سيقاضي الحكومة المصرية, ليطالبها بتعويض عما تعرض له بسبب تعاونه مع هذه الدولة الصديقة, وانه لن يقبل أقل من منصب سفير مصر في اسرائىل.. لحظتها تبادلت النظرات مع حلمي شعراوي ومع الجاسوس الفلسطيني. لم يكن الاعلان عن استئناف المفاوضات الثنائية المباشرة, وعلى المستوى الرفيع, بين (سوريا) و(اسرائىل) مفاجئا لي, فذلك ما كنت اتوقعه, ليس فقط منذ عاد حزب العمل الاسرائىلي الى السلطة, وتولي باراك رئاسة الوزراء, بل وكنت اتوقعه حتى في أيام (نتانياهو) وما قبله, ومنذ تلك اللحظة ـ من نوفمبر عام 1977 ـ التي نزلت فيها طائرة الرئيس الراحل (أنور السادات) في مطار اللدّ.. ولعلي لم أصدق من أقواله قولاً قدر تصديقي لنبوءته الشهيره بأن الانظمة العربية جميعها سوف تلحق به يوما.. ليس فقط لأنه اخرج مصر ـ أقوى قوة عسكرية وبشرية في المنطقة ـ من الصراع مع اسرائىل وترك الآخرين عراه, عاجزين عن التصرف وحدهم, ولكن ـ كذلك ـ لأنني كنت واثقا منذ البداية, بأن هذا النوع من الانظمة, لا يخلص إلاّ لنفسه, وأنها استغلت هوانا الفلسطيني الغلاّب, لكي تسومنا سوء العذاب, وتسلب منا الحق في أن نحكم انفسنا بأنفسنا, وكما كانت على استعداد طوال تلك السنوات لأن تجازينا عن هوانا ذاك, بذاك الهوان, فقد كانت مستعدة دائما لكي تبيع ذلك الهوى الغلاب بأبخس الاثمان وهو أن تبقى على كراسي الحكم.. كما باع (يهوذا الاسقريوطي) السيد المسيح بثلاثين قطعة من الفضة.. اما لماذا انا حزين لما حدث, وقد كنت اتوقعه منذ اكثر من عشرين عاماً, فلأن أمثالي من جيل الهوى الغلاب, تعودوا ان يخدعوا انفسهم بأنفسهم, وان يمكنوا الآخرين من خديعتهم, ومع ان عقلي كان يصدق نبوءة السادات التي أطلقها منذ اكثر من عشرين عاماً, الا ان قلبي كان يعلل النفس بالاوهام.. لذلك كنت معجباً بالصمود السوري, متوهماً ان كل ما تقوله سوريا عن استعدادها لتوقيع اتفاقية سلام مع اسرائيل, مقابل استرداد الجولان, هو مجرد تكتيك سياسي يراهن اصحابه على ان الاسرائيليين سيرفضون, وان (سوريا) التي يعود اليها الفضل في ازكاء الهوى الفلسطيني الغلاب في قلوبنا, تقول ذلك حتى تفوت على اسرائيل فرصة اكتساب الرأي العام العالمي الى صفها بالظهور بمظهر الراغب في السلام دونها, وانها ستظل قلعة للصمود في وجه التسليم بالامر الواقع, تلتقي عندها احلام الجيل القادم, وتنبت وسط الدمار ـ الذي تخلف عن محترق الآمال ـ زهرة. الآن لم يعد هناك مجال لخديعة النفس.. وليس لاعلان الرئيس (كلينتون) ـ بجلالة قدره ـ للخبر السعيد بذات نفسه سوى معنى واحد, هو ان المسرحية انتهت, وان المفاوضات كانت تتم طوال الوقت من خلف ظهورنا, وان الجماعة بصموا, كما بصم اسلافهم على طريق الامة العربية الواحدة, ذات البصمة الخالدة, ولم يبق الا الحفل الختامي, الذي سيعقد كالعادة في حديقة البيت الابيض, الذي لا يحتفل فيه العرب الا بما هو يوم اسود. اما وقد ضبطت نفسي متلبساً بالنظر الى نصف الكوب الفارغ ومسجلاً في قائمة المتشائمين فقد قررت ان انظر الى نصفه الملآن: قال لي: ان سوريا سوف تحصل بسبب اصرارها على عدم الهرولة وتمسكها بحقوقها, على أفضل الشروط, فقلت له: تعددت الاسباب واتفاقيات السلام والتطبيع مع اسرائيل واحدة, ولن تحصل سوريا بأي حال على افضل مما حصل عليه السادات قال: ولكن فاروق الشرع رفض ان يصافح (باراك) قبل التوصل الى اتفاقيات سلام نهائية, وهو يدخل المفاوضات من مركز قوة, لأنه ـ بعكس السادات وحتى عرفات ـ اصر على عدم التطبيع, قبل ان يحصل على الارض. واخشى ما اخشاه ان يفاوض السوريون بالطريقة التي فاوض بها السادات وان يسعوا للحصول على افضل شروط لهم على حساب حقوق الفلسطينيين, قال: هذه اوهام. قلت: الاوهام ما يقولونه طوال نصف قرن. قال: لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب فكف عن تفكيرك المتشائم, الذي يؤكد الشبهات التاريخية ضدك بأنه من المؤمنين بالمذاهب الهدامة كالديمقراطية والاشتراكية والوحدة العربية.. قلت: ظللت نصف قرن اتوهم ان الدعوة للصلح مع اسرائيل هي المذاهب الهدامة ذات نفسها. قال: ولكن القانون تغير الآن وأصبحت المطالبة بالحرب معها هي وحدها المذاهب الهدامة. قلت: ولكني لم اسمع بهذا القانون ولم استشر فيه. قال: ومنذ متى كنت تسمع بالقوانين او تستشار فيها. قلت: ولو هذا قانون يتعلق بكينونتي وهويتي وسأطعن فيه بعدم الدستورية. قال: يعطيني ويعطيك العمر الطويل, الى ان يحدث ذلك, فالمهم الآن ان نتحاور جميعاً حول افكار بناءة حتى لا يتدهور الموقف اكثر فهل لديك شيء منها. قلت له: اول شيء يجب ان نفعله, هو ان نسعى لبناء موقف عربي موحد, يساند المفاوض السوري واللبناني والفلسطيني بكل اوراق الضغط التي تستطيعها الأمة, بحيث لا تتصادم مسارات, التفاوض, ولا تغري اسرائيل طرفاً عربياً بالحصول على حقوقه مقابل التفريط في حق طرف آخر وثانياً: يجب ان نقاوم بكل السبل, كل شكل من اشكال تطبيع العلاقات مع اسرائيل على كل الاصعدة الرسمية والشعبية, بما في ذلك المفاوضات متعددة الاطراف, وان تتمسك الامة العربية كلها بقرارات المؤتمر الوزاري للجامعة العربية في عام 1996 بشأن تفعيل قرارات المقاطعة على الاقل حتى انتهاء المفاوضات على كل المسارات.