جميع وكالات استخباراتنا تتعاون في شتى انحاء العالم مع نظيراتها في انحاء العالم.. وبذلك هناك مشاركة في المعلومات الاستخبارية للتأكد من أن لدينا احدث المعلومات المتاحة لاحباط الهجمات .والهجمات التي يشير اليها حديث وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين هي (هجمات ارهابية) داخل الاراضي الامريكية وخارجها تستهدف اي شيء يحمل الصفة الامريكية من بشر الى منشآت, والكلمة المفتاحية في هذا السياق هي (انحاء العالم) . فالامريكيون مستهدفون وفقا للمسئولين في الادارة الامريكية نفسها بالعداء النشط في كل بقعة من هذا العالم العريض. واذا كان من حق الاجهزة الامريكية ان تستنفر كل مواردها وقواها الى اقصى حد ممكن واتخاذ كل الاحتياطات والتدابير الأمنية في هذا الصدد, أليس الاجدر اولا او في الوقت نفسه ان يقف أولو الامر في الولايات المتحدة ليتساءلوا: لماذا يكره العالم امريكا؟ ورغم ان امريكا هي الآن القوى العظمى الاولى في هذا العصر الا ان هناك قوى عظمى اخرى. فلماذا لا يكن العالم عداء بمساحة المعمورة لليابان او الصين او مجموعة الاتحاد الاوروبي؟ ان الاجابة بسيطة.. وولاة الامر الامريكيون يعرفونها قبل غيرهم: لأن امريكا تتحرش بشعوب العالم كلها بالاستفزاز وفرض السيطرة ونهب الموارد, فان رد الفعل الطبيعي هو ان لا بقعة في هذا العالم العريض ليس لها ضغينة مع واشنطن. وانظر حولك في عالم اليوم وعالم الامس الغريب من كوبا الى اندونيسيا.. ومن اليونان الى جنوب افريقيا لتستبين لك الصورة دون عناء. لمدى اربعين عاما متصلة ظل المسلك الامريكي نحو جزيرة كوبا الجارة عداء سافرا لا هوادة فيه. فهو احيانا غزو عسكري فاضح او تآمر تجسسي خفي.. وفي كل الاحوال والظروف هو حرب اقتصادية وتجارية. كل هذا لا لأن كوبا كاسترو بدأت واشنطن بعداء, وانما لأن الجزيرة قررت منذ استقلالها عام 1959 عقب ثورة مسلحة طويلة الامد ان تنهج في بنائها الداخلي او علاقاتها مع العالم نهجا استقلاليا وطنيا نابعا من مصالحها المشروعة. وشعوب امريكا اللاتينية الاخرى لا تقل حقدا مشروعا تجاه واشنطن لأن واشنطن ظلت تفرض عليها دكتاتوريات انقلابية مهمتها الوحيدة حماية عمليات النهب المنظم التي تمارسها الشركة الامريكية (متعددة الجنسية) مخلفة الفقر والمرض والجهل. وعبر الاطلسي صار الهاجس الاكبر للولايات المتحدة هو قمع الشعوب الاسلامية انطلاقا من مبدأ حماية اسرائيل وضمان تفوقها. وفي هذا يقول الفيلسوف العصري الفرنسي المسلم رجاء جارودي ان على المسلمين الا يتوقعوا خيرا من امريكا لأنها ليست اكثر من مستعمرة يهودية. ولعل ابرز واحدث مثال هو الانحياز الامريكي الفاضح للترسانة النووية الاسرائيلية والدفاع عن بقائها في مقابل تجريد العراق من القوة النووية والضغط على باكستان لتصفية برنامجها النووي. ان التحرش الامريكي ضد المسلمين يبدأ في الحقيقة داخل الولايات المتحدة نفسها.. حتى يخيل اليك انه لم يعد لمكتب التحقيقات الفيدرالي الامريكي عمل سوى ملاحقة المسلمين بكل جنسياتهم المقيمين في امريكا حتى لو كانوا مواطنين امريكيين. وهناك شعوب وقوميات لاتزال ذاكرتها الجمعية تختزن ذكريات مريرة تجاه امريكا. فاليونانيون لن ينسوا دعم واشنطن المتصل للدكتاتورية العسكرية لمدى 16 عاما الى ان اسقطها الشعب عام 1973. واللبنانيون لن ينسوا الدعم الامريكي الضمني للاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. وشعب فيتنام لا يزال يتذكر قوة عسكرية امريكية غازية قوامها نصف مليون جندي قضت على الاخضر واليابس لمدى عشر سنوات في الستينيات والسبعينيات. واذا كان وزير الدفاع الامريكي يتباهى بأن اجهزة الاستخبارات الامريكية منهمكة الآن في عمليات تنسيقية مع الاجهزة الاستخبارية في جميع انحاء العالم فان السؤال يبقى مفتوحا: لماذا صارت واشنطن مضطرة الى تدابير أمنية بحجم العالم بأسره؟