لندع جانبا كل المعادلات السياسية والاقتصادية التي يضعها بوريس يلتسين عجوز الكرملين الروسي وهو يخوض بقواته في دماء المسلمين الشيشان بلا رادع من أخلاق أو ضمير, وكذلك لندع جانبا طموحات وحسابات رئيس الوزراء الروسي الذي ظهر فجأة في سماء السياسة الروسية فلاديمير بوتين , ولنضع جانبا كل آمالنا نحن كمسلمين في تحرك دولي تقوده أمريكا لايقاف حمام الدم في بلاد الشيشان المسلمة, ولنتساءل ماذا فعلنا لهؤلاء, خاصة وان عبادتنا في رمضان تدفعنا دفعا للوقوف أمام مرآة هذه العبادة وبشكل قاس جدا. ان أقسى ما يطالعك وانت تفتح جريدتك صباحا مرأى تلك الشيشانية العجوز وهي تجلس بانكسار وحزن تبكي أبناءها وبقية أهلها الذين اغتالت مدافع موسكو وقاذفاتها حياتهم قربانا لتثبيت اركان امبراطورية شاخت قبل الأوان لأنها بنيت على مستنقعات الدم وأكوام الجماجم منذ ما عرف بالثورة الحمراء 1917 وقبلها أيام عز الأباطرة من آل رومانوف. تلك العجوز التي تمسح دمعها بحزن ظاهر يتحدى فيك احساس الشهامة الإسلامية, وذلك العجوز الذي يرنو لمنزله المهدم, وتلك الصغيرة التائهة وسط الانقاض وارتال الدمار وتلك الجثث المتناثرة, مشاهد لا تفتقدها العين منذ اختلت أركان المنظومة الشرقية في أوروبا وتهاوى بنيان امبراطورية الشيوعيين, ولكن إلى متى نبقى متفرجين على هذا الدم الإسلامي يراق في شوارع الدنيا وكأنه بعض من أنهار مياه آسنة؟ نحن نعلم ان ما يجري في الشيشان انما يتم وفق حسابات سياسية دقيقة جاءت الانتخابات التشريعية الروسية الاخيرة لتعلن نتائجها ولتؤكد تلك الحسابات وهي ليست مهمة في حد ذاتها, بقدر ما يهم الرئيس يلتسين ما سوف تظهره نتائجها التي رفعت حتى اليوم اسهم رئيس الوزراء الروسي (فلاديمير بوتين) من 4% الى 29%, ما يعني ان الشعب الروسي مبتهج لكل هذه الفظائع التي يرتكبها ساسته وقواته في العاصمة جروزني ومعظم بلاد الشيشان في الايام المقبلة. يلتسين بكل ما ارساه طوال فترة حكمه من فساد ونفوذ عائلي قائم على الاثراء اللامشروع واطلاق يد المافيا وتجار السوق السوداء وتكريس مرعب لسلطة الفرد المطلقة وغيرها من مبتذلات السياسة الروسية الحديثة, يريد ان يشعر الروس بحالة من استعادة زمام السلطة وبسط النفوذ على ابعد الاقاليم واشاعة الاستقرار واسطورة القوة التي اغتالتها نتائج الحرب الباردة مع الولايات المتحدة, ولذلك قال احد محلليهم السياسيين ان الحرب الشيشانية ضرورية لاعادة الوحدة وتثبيت نفوذ الدولة الروسية. الشيشان يدفعون الثمن باهظا من ارواحهم ودمائهم, والقضية ليست كما قالت الصين وامريكا والغرب كله بأنها مسألة سيادة وشئون داخلية, المسألة ليست اكثر من تصفية حسابات قديمة بين الاسلام ومعسكر الكفر, والا فأين مقولات حقوق الانسان التي تنطعت بها الولايات المتحدة طويلا وهي تعاقب الصين على امر داخلي مع طلابها الذين تظاهروا في ساحة عامة ذات يوم مستخدمة الدبابات, ألم يكن ذلك شأنا داخلياً؟ حتى هذه اللحظة فإن كل ما يوجه لروسيا لا يتجاوز الكلمات الخفيفة جدا من قبل الدول الكبرى (امريكا ومن معها) واما العالم الاسلامي فقد اختار ان يغيب دوره وثقله واهميته, اختار ان يكون المرمى الاسهل والاقرب لسهام الاتهامات المتلاحقة بأنه ليس سوى مولد اول ورئيسي للارهاب.. وبما أن الشيشان ارهابيون ـ حسب زعم الروس ـ فلاشك ان العالم الاسلامي يبتعد عنهم وعن نجدتهم حتى لايزيد الى تهمه تهمة اخرى.. فمن يبادر ويقف إلى جانبهم متحديا تهمة الارهاب.. مستبدلا اياها بوقفة شجاعة حرة؟