دخلنا في مطلع العام 2000م تخيلوا اننا بنو ادم قد بلغنا هذا العمر منذ ميلاد السيد المسيح عليه السلام, كل هذا العمر ونحن لانزال كما نحن, نفس اللحم والعظم, نفس الاجهزة الحيوية هضمية ودموية وتنفسية, نفس مشاعر الحب والكراهية نفس الغباء ونفس الذكاء, الانسان نفس الانسان حيوان فريد, ووحده دون باقي الحيوانات يقتل دون سبب واضح , ليس جوعا او جنونا وانما بدون سبب واضح, نفس الانسان مع بعض رتوش مظهرية خارجية كان في الكهف سار في ناطحة سحاب, كان راعيا او صيادا او مزارعا, صار مهندسا وطبيبا ورجل اعمال, كان ينتقل على قدميه صار يمخر عباب البحر وفوق السحاب بل وبين المجرات لكنه نعم نفس الانسان. انسان العصر الحجري في حدود امكانياته تعامل مع الطبيعة وانسان عصر الكمبيوتر يفعل نفس الشيء, تاريخنا باختصار هو اسلوب تعاملنا مع الطبيعة, اما الباقي فمجرد تفاصيل, عرف الانسان منذ فجر التاريخ اهمية العمل من اجل البقاء وذلك الاكتشاف العبقري كان في بذرة التكوين ذاتها, هناك دائما ضرورة للحركة الايجابية وعلى قدر الموارد المتاحة بدأ صراع الانسان للبقاء وتحسين ظروف هذا البقاء. فالانسان حيوان متطلع غير قانع وشهوة التميز هي ابرز دوافعه كما انها اول اسباب القتال والدمار وكم من مرة تناسخت قصة قابيل وهابيل, بل وكم من مرة تكررت قصة الغواية وخروج الانسان من جنة الخلد كي يسقط على جذور رقبته فوق الارض. والسياسة ميدان واضح يؤكد ما سبق, هل نجح أحد في أن يقرأ الرسالة قبل ان يقتل الرسول؟ وكم من مرة حالت الدبلوماسية دون وقوع الحرب منذ واقعة قابيل وهابيل وحتى وقائع حرب الشيشان؟.. الانسان هو نفس الانسان.. سواء في همجية القبائل التي كانت تضرب في الارض (وفي الجيران) بحثاً عن الكلأ والماء, أو في ادعاء التحضر بصيغة التدخل من أجل حقوق الانسان!! والسياسة هي كتاب تفسير او تبرير لوحشية الانسان الكاملة في أعماقه, كتاب يحاول ان يضع القواعد لسلوكيات الغاب وشهوة الطمع ومفردات القوة, ولا تزيد قصة السياسة منذ بدء الخليقة عن قصة توازن القوى, سواء في محاولة طرف ان يخل هذا التوازن لصالحه, او في محاولة طرف آخر ان يصل لنقطة التوازن, والتاريخ يتأرجح بين هذا وذاك, اما الباقي فمجرد تفاصيل!! لقد ظن جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية انه اكثر حكمة من اجيال سبقته, فقرر ان ينشىء مؤسسة عالمية (للحفاظ على السلام والأمن الدوليين) و(لتجنيب العالم ويلات الحروب) و؟؟؟ عواصم العالم ما بعد مؤتمر (سان فرانسيسكو) حتى ألغام PEACE AT LAST او وهم السلام وقبل ان يجف مداد ميثاق الامم المتحدة كانت ميادين الحروب تمتد في كافة انحاء الارض من كوريا الى امريكا اللاتينية في ظل ما اطلق عليه (الحرب الباردة) , وعاشت أجيال متتابعة رعب الدمار النووي, حتى صار هذا الرعب نوعاً من الفوبيا الكامنة في لا وعي كل مواليد هذا القرن السعيد حيث يعيش الانسان ويتصرف وكأنه على الحافة يشعر بأن النهاية قادمة في اللحظة التالية, ولذلك ظهرت فلسفات الوجودية والعبثية واللاارادية, وتسايلت الافكار والنظريات مثل حالات التبول اللاإرادي, وبدا ان الانسان قد صار عاجزاً تافهاً, مجرد لعبة بين أصابع مؤسسات ضخمة تلهو به وبمشاعره كيفما شاءت, نفس صورة انسان العصر الحجري في مواجهة الديناصور او لغز الطبيعة, اصبحت صورته في مواجهة حرب الكواكب وألغاز ايديولوجيات متناقضة. وقبل ان يغلق هذا القرن أبوابه, انهارت امبراطورية الشرق, وهللت امبراطورية الغرب مبشرة ببدء عصر السلام, وداعبت مشاعر البشرية ـ مرة اخرى ـ اغنية PEACE AT LAST وبدأ كهنة النظام الدولي الجديد يحرقون البخور أمام هيكل الآلهة الجدد: الديمقراطية الغربية, واقتصاديات السوق, وقام العمال الدوليون بتنظيف معبد الأمم المتحدة, بينما سارع غيرهم في بناء معبد منظمة التجارة الدولية, وبدأ كبير الكهنة في توزيع صكوك الغفران لمن تاب وأناب وعمل صالحا وصار ديمقراطياً منفتحاً او منبطحاً الا ان الانسان ـ لأنه نفس الانسان ـ ظل يمارس هوايته التاريخية, من (عاصفة الصحراء) الى حائط المبكى في (سياتل) ومن (نهاية التاريخ) الى (صراع الحضارات) في تكرار امين لقصة قابيل وهابيل, وقصة الغواية والسقوط. وهكذا يا سادة, عندما يكون هذا العدد بين أيديكم, سيكون العالم قد اقترب كثيراً من ألفية جديدة, مودعاً الى الأبد ما اعتاد عليه لمدة مئة عام, فمنذ العام 1900 ونحن نكتب هذين الرقمين (19) بعد رقم العام, الآن سيحتل الرقم (2) مكانته السامقة لمدة مئة عام قادمة. ولكن دعونا ننظر الى عالم 3000 من موقعنا على حافة 2000 ربما وصل التقدم العلمي والتكنولوجي الى ان الكتابة لن يعود لها اي مكان حيث يمكن عن طريق الهندسة الوراثية حقن خلايا المخ بكل المعلومات وبرمجتها منذ اليوم الاول للولادة بحيث ينزل الطفل من بطن امه ليطلب مباشرة شوربة كوارع, وهو سينزل ماشياً. ؟؟؟ حتى شعر رأسه ثم يمد يده ليقطع خلاصه, ويتجه مباشرة الى الباب متوجهاً في سيارة اجرة الى منزله, ستكون لديه كل المعلومات الضرورية وغير الضرورية, وسوف يتكفل الطب الحديث باطالة اعمار الناس بشكل غير مسبوق, واحتفاظهم بخلود شبابهم, لدرجة ان بعضهم سوف يصاب بالملل من طول الحياة, وسيحاول الانتحار الا ان عبقرية الطب ستعيده للحياة في كل مرة, ولن تكون هناك حاجة للنقود, فالطعام يتم من خلال العينين, حيث يكفي نظرة الى لوحة مرسوم عليها خروف مثلاً أن تملأ بطن الجائع, كما ان الزواج لن يصبح ضرورياً فلسوف يتكفل الاستنساخ بعمل عدد النسخ التي يريدها كل انسان وكأنه آلة تصوير مستندات, يتم ضبطها على عدد معين, ثم يضغط على زر فيخرج هذا العدد متطابقاً مع الأصل, والأعجب ان الشهوة نفسها ستنعدم ولكنني لا أظن ان شهوة اخرى سوف تتلاشى, اعلى شهوة السيطرة والطمع وشهوة القتل دون سبب واضح, كل ما سيتغير هو بعض المظاهر, ولكن جوهر الصراع سيبقى في دائرة توازن القوى, وسيعيد الانسان سيرته, وكأنها رواية مملة ترويها شهر زاد دون توقف لمليكها شهريار ألف ليلة وليلة, أو ألف عام وعام دون ان يدركها الصباح!! عضو اتحاد الكتاب المصري