نكاد في النصف الثاني من القرن العشرين الآيل للزوال ان نصف تلك السنوات الخمسين بأنها في العالم العربي والاسلامي سنوات الصراع المرير المستحكم بين العلماني والاسلامي.. ولم يقتصر الصراع المذكور على الصفوة المختصة الخبيرة بشئون السياسة والدين, بل افرد الصراع ظله على كل عملية التنمية في اقطارنا الجنوبية المتخلفة وعطل حركة التاريخ واستقرت في مجتمعاتنا ما سماه العالم الدكتور احمد كمال ابو المجد (حربا اهلية ثقافية) . واعتقد ان هذا المصطلح خفيف اذا تعلق الامر بأزمة الجزائر المستفحلة منذ بداية التسعينيات لان ما يدور فيها, على فترات متفاوتة الحدة, هو حرب اهلية حقيقية وليست (ثقافية) متشابكة الفرقاء معقدة المنطلقات خطيرة النتائج. شرح احمد كمال ابو المجد مشروعه الحضاري لفك الاشتباك بين الانظمة القائمة والحركات الاسلامية (مجلة وجهات نظر ـ العدد الحادي عشر ـ ديسمبر 1999) وجاءت مواقفه جريئة رصينة ـ كعهدنا دائما مع افكار هذا العالم الحقوقي الضليع ـ رؤية واضحة مشرقة جاءت نتيجة قراءة معمقة للواقع العربي والاسلامي. واني انصح كل زملائي الجامعيين واخواني المهتمين بشأن المستقبل بأن يطلعوا على هذه الوثيقة الاساسية المختصرة ذات البصيرة الحضارية البعيدة, وقد عالج ابو المجد وجود الخلل في التصادم بين العلماني والاسلامي وارجع اسبابه الى سوء تفاهم اصلي ترجع جذوره الى مرحلة التحرر ومقاومة الاستعمار وأكد بأن الاغلبية الساحقة من الحركات الاسلامية نشأت لمقاومة الاستعمار الغربي الدخيل. ولعل اخطاء بعض النخب الحاكمة مثل (الناصرية والبورقيبية على سبيل المثال) هي الخلط الكبير والقاسي بين حركات عنيفة باغية وحركات تأصيلية واعية, ومن هنا احتد الصراع خلال العشرين سنة الاخيرة في معزل عن اي حوار عقلاني جاد وهادىء ورصين, وهربت المواقف جميعها الى التطرف والتعصب والعنف ـ المادي واللفظي ـ وضاعت اصوات العلمانيين التنويريين باسم العقل واصوات الاسلاميين التأصيليين باسم الهوية, واصبح الحوار لاغيا وتغيرت معطيات العالم بالعولمة وثورة الاتصالات وطغيان النموذج الامريكي وجاءت الالفية الثالثة لتسجيل الدول المركزية في العالم العربي والاسلامي مصنفة ضمن الدول المتخلفة ـ بمعنى العجز عن الاستقلال التكنولوجي والصناعي والغذائي ـ او مصنفة في افضل الحالات ضمن الدول المؤهلة للتنمية المستديمة ولكنها ايضا المكبلة بالديون (بنسبة غالبة هي دين مليار دولار لكل مليون مواطن) وبالطبع فان مجرد رفع شعار الاسلام على راية السلطة لم يكن ضامنا للتقدم ولا حتى للهوية والامن والاستقرار ـ كما هو الحال في السودان وايران وافغانستان ـ بينما تقدمت دول عربية واسلامية خطوات كبرى على طريق التنمية دون ان ترفع الشعارات وكان اداؤها الاقتصادي افضل (مثل مصر وتونس وماليزيا). ويدعو احمد كمال ابو المجد الى تصحيح العلاقة بين الانظمة والحركات الاسلامية على اساس توحيد التوجه الحضاري على ضوء العولمة وتغيير اولويات الفقه المعاصر وتبني الاحترام العميق للحضارات الاخرى والاخذ منها واثراء الحضارة الانسانية بقيم التسامح والعدل والتضامن بعيدا عن التطرف والبغي وبذر الفتنة, فالفتنة أشد من القتل ومن الظلم ومن الخطأ, ولا سبيل الا سبيل الحوار بالتي هي احسن, وقد رأينا في بعض الحركات المنتسبة الى الاسلام زيغا واضحا عن الاسلام باعتناق مبادئ التكفير واهدار دماء العلماء والمفكرين وبالتالي التحول الى مذاهب الفوضوية والعدمية التي لا تمت للفكر الاسلامي بأية صلة. وانا مع احمد كمال ابو المجد في اعطاء قيمة الحرية بكل معانيها المنزلة العليا في الالفية الجديدة, الحرية المسئولة المكفولة التي نهضت بها الامم وظلت لدينا تلك الفريضة الغائبة الى حين.