المشهد السوداني لا يزداد الا غموضا رغم توالي التطورات الداخلية والخارجية المتصلة به, وكأن هذه التطورات المتفاعلة تفرز المزيد من الاسئلة عوضا عن توفير اجابات للاسئلة القائمة المطروحة أصلا.في لمحة واحدة بدأت ازمة المشهد بتفجر صراع على السلطة بين الرئيس البشير ود. الترابي سرعان ما انتقلت به التداعيات الى اجتماع قمة استضافه العقيد القذافي في طرابلس جمع بالاضافة اليه الرئيس البشير مع الرئيس الاريتري افورقي والرئيس الاوغندي موسيفيني والرئيس الكونجولي كابيلا, وكأن اضواء المشهد تحولت من أزمة الحكم في الخرطوم الى قضية جنوب السودان, ومما يضيف الى غرابة المشهد وتداعياته ذلك الغياب الجزئي او الكلي لقادة المعارضة الرئيسيين, المهدي والميرغني وقرنق وكأنما تقرير مصير المستقبل السوداني على المدى القريب صار بيد رؤساء دول الجوار, بما في ذلك مصر, وليس بيد الاطراف السودانية الاصلية على صعيدي الحكم والمعارضة. شيء واحد فقط واضح وقاطع لا لبس فيه.. وهو ان كافة القوى الخارجية الاقليمية الداخلة الآن في الشأن السوداني بحيث صارت جزءاً من المشهد متفقة على تأييد الرئيس البشير في صراعه مع د. الترابي.. وما ان نستبين هذا الوضوح حتى نكتشف ان هناك اسئلة لا تزال بغير اجابة. هل ترى هذه القوى الخارجية ان الرئيس البشير هو النقيض السياسي للدكتور الترابي؟ ان هذه العواصم الاقليمية تتصرف وكأن الرئيس البشير صار رمزاً للعلمانية في السودان غير ان الواقع يفيد ان من قادة الجبهة الاسلامية التي تشكل قاعدة الحكم ممن يقفون وراء الرئيس ليسوا بأقل تمسكاً بما يطلق عليه (الاسلام السياسي) من د. الترابي ان لم يكن بعضهم اشد منه تمسكاً. وسواء كان الأمر هذا او ذاك فإن مما يحمد لمساعي قادة الدول المحيطة بالسودان أنهم يتجهون صوب عقد مصالحة وطنية بين الرئيس البشير وقادة المعارضة الرئيسيين بمن في ذلك الزعيم الجنوبي جون قرنق, وربما يرون في هذا الترتيب دعما لموقف البشير. ومن جانبه تجاوب الرئيس مع هذه المساعي فأعلن ترحيبه بمشاركة احزاب المعارضة في الحكم على اساس الاعتراف الكامل بشرعية الاحزاب واستكمال اطلاق الحريات العامة تمهيدا لاجراء انتخابات عامة في اطار تعددي كامل. ومن المفروض ان يعني ذلك حلحلة الازمة الراهنة بصورة شاملة, اذن يجب ان نتوقع ان السيدين الصادق المهدي رئيس (حزب الامة) ومحمد عثمان الميرغني رئيس الحزب (الاتحادي الديمقراطي) سوف يتجاوبان مع دعوة الرئيس مبارك والعقيد القذافي الى التصالح مع نظام الرئيس البشير. لكن هل ينطبق ذلك على جون قرنق؟ اجتماع العقيد القذافي في طرابلس مع رؤساء اريتريا وأوغندا والكونغو لايمكن الا ان يكون قد تطرق الى ضرورة الضغط على قرنق لقبول حل سياسي سلمي لقضية الجنوب مما يمهد لدخوله مشروع المصالحة الوطنية. ورغم ان اريتريا وأوغندا تحديدا, وخاصة أوغندا تملكان من وسائل الضغط على قرنق بما يمكن ان يجبره على دخول طريق المصالحة الا ان امر قرنق يبقى في نهاية المطاف بيد القوة العظمى التي تقف وراءه ووراء اريتريا وأوغندا: الولايات المتحدة الامريكية وحتى الآن يظل الموقف الامريكي تجاه هذه التطورات المتفاعلة غامضا في افضل الاحوال. واجمالا يبقى المشهد السوداني غير واضح تماما, ويبدو ان السبب الرئيسي لعدم وضوحه هو انتقال المشكلة برمتها الى صعيد التعامل خارج الحدود حيث يجري الكثير من الاقوال والافعال التي لا يتسرب منها الا اقل القليل من الاخبار.