تنبع اهمية المرحلة الراهنة في عملية السلام العربية الاسرائيلية من انها بدأت تشهد مشاركة سوريا اضافة الى امكانية مشاركة لبنان في مرحلة لاحقة قريبة وتشير التقديرات الراهنة الى امكانية التوصل الى اتفاقات سلام شاملة. فسوريا ولبنان يشكلان سويا اخر حصون عدم التسرع والانتظار. لهذا فالسلام معهما سيتحول بالنسبة لاسرائيل لمدخل استراتيجي لعقد اتفاقات وتطبيع مع مجموعة من الدول العربية التي شاركت كلا من سوريا ولبنان موقفهما السياسي. ان هذه المرحلة انتقالية ومؤقته ولكنها بالغة الاهمية لأنها ستكون المدخل للمرحلة التي تليها, اذ ستحدد شكل السلام وحدوده, وستحدد ترتيبات ما بعد السلام. وستكون مرحلة ما بعد السلام هي المرحلة الاطول والتي ستتحكم بالعلاقات بين العرب واسرائيل لعقود طوال. وهناك تصوران اثنان لمرحلة ما بعد السلام الاول ينطلق من مدى فداحة الخسارة العربية من السلام, انطلاقا من عدم وجود حلول عادلة لكافة المسائل الرئيسية اكانت قضية لاجئين ام قدس ام ارض ام مستوطنات ام استقلال ام سيادة شاملة ام انتصار. وبينما سيكون المكسب السوري وكذلك اللبناني هو الاكبر نسبيا كما كان الحال على الصعيد المصري في السابق الا ان المكسب الفلسطيني سيبقى يرواح بين الحل العلمي وفن الممكن وسط خسارة تاريخية يعوض السلام عن جزء صغير منها. بمعنى اخر القياس السوري واللبناني والمصري والاردني للسلام سوف يختلف بطبيعة الحال عن القياس الفلسطيني وذلك لطبيعة الفارق بين مخاسر هذه الاطراف. ولكن ذلك لن يكفي, فهناك الخوف من تفوق الجانب الاسرائىلي في الامور الاقتصادية والادارية والتنظيمية وافاق ان يتحول ذلك الى مدخل للسيطرة على الاقتصاد والسياسة في هذه الدول. لهذا بالتحديد من الضروري ان يكون الجانب الاقتصادي والسياسي والاصلاحي مركزيا للدول العربية المعنية في المرحلة المقبلة. اذ بدونه لن يكون هناك فرصة لجني فوائد من وراء السلام او لتخفيف مخاسر وللمحافظة على استقلال ودور ومستقبل.. ان قضية التحول الاقتصادي والتنمية وحل ازمة البطالة والسكان والتعليم والحريات في البلاد العربية ستكون المؤشر الرئيسي على مقدرة الدول العربية المعنية ترتيب اقتصادها ليتحول الى اقتصاد سلام واقتصاد حديث في عصر تكثر فيها المنافسة وحركة الاسواق. والتحدي الاكبر في توجيه الطاقات نحو البناء الداخلي بعد ان تهدأ الجبهات القتالية او بعد ان يتراجع الشبح بتجدد الحرب سوف يكون الاهم في واقع مرحلة ما بعد السلام. ولكن التصور الثاني لمرحلة ما بعد السلام يبقى تصورا علينا ان نأخذه بعين الاعتبار والاهمية. فماذا لو لم تنجح الدول المحيطة باسرائيل والتي تتعامل مع عملية السلام الان في تحقيق البناء السلمي الداخلي وفي استيعاب القوى التي قاتلت اسرائيل في السابق في مؤسسات تنموية, وفي ترتيب اقتصاد متفاعل وبناء؟ حينها سوف يتحول السلام بحد ذاته الى هدف لجماعات عديدة ولقوى اجتماعية ترى انه لم يكن مفيدا او صائبا او مناسبا او عادلا.. حينها سوف تعود الدول والشعوب الى حالة من الصراع, والى حالة من الشرذمة والاختلاف على كل شيء, وقد ينفجر الامر خارج التاريخ وخارج آليات المنطق دون خطة او توجه. بل قد ينهار كل شيء كتعبير عن يأس وبؤس وفقر وانكسار وغياب في الوضوح في هذا هناك خطورة كبيرة على مستقبل الكيانات التي تقوم بالسلام اليوم, وهناك خطورة كبيرة في حال عدم مقدرة هذه الكيانات مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية القادمة. ان التفكير في كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة يجب ان يسبق التفكير ببدء المفاوضات اذ لا يعقل ان ننجز السلام الان ثم لا نعرف ما الذي سوف نقوم به بعد ذلك, ولا يعقل ان ننجز اتفاقيات الان ثم نفشل في كل شيء بعد ذلك بمعنى اخر ان السلام يجب ان يرتبط بالمستقبل, وهذا مرتبط بالمقدرة على تعزيز القوة الداخلية والذاتية القائمة على التنمية البشرية والعلمية والثقافية والاقتصادية والادارية. * استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت.