إذا أردت أن تعرف مدى تقدم أية دولة من تخلفها حاول أن تقرأ صحف اليوم التالي من قيام رئيس الدولة أو المسئول الأول فيها من إلقاء خطاب عام له, أو مجرد الادلاء بتصريحات حول شيء يتعلق بأمر من الأمور العامة, البلاد المتقدمة التي يتمتع شعبها بحد أدنى من التقدم وانعكاس هذا التقدم على معرفة الشعب بواقعه السياسي, فإنه يتمتع أيضا بإرادة حرة تعكس عادة آراء متعددة لوسائل الإعلام التي تعتبر المرآة الحقيقية للإرادة الجماهيرية, بعضها مع المسئول وتصريحاته, وبعضها الآخر ضد هذه التصريحات, أو في أبسط الأحول تنتقد ما ترى انه لا يتفق مع توجهها كأداة إعلامية حرة تعبر عن قطاع معين من شعب تلك الدولة, لأن هذا من الأمور الطبيعية أن تختلف الآراء كليا أو جزئيا, وليس من الطبيعي أن يكون هناك اتفاق تام بنسبة مئة بالمئة, أو حتى بتلك النسبة الهزلية, التي كانت ولا تزال النتيجة الحتمية لأي " استفتاء عام " في معظم دول العالم الثالث, والتي تتمثل في التسعات الثلاث : 99,9 في المائة, أي إجماع مستحيل في الواقع العملي . بل بعض وسائل الإعلام في الدول المتخلفة, حتى تلك الدول المتخلفة التي تطبق " الديمقراطية الغربية " في الحكم باعتبارها نوعا من التقدم, لا تقف عند حد تأييد مقولات المسئول, بل تتعدى ذلك إلى التنظير لتلك المقولات حتى لو كانت مقولات خاطئة, ويمكن أن تدل دلالة واضحة على أن أنها مجرد " زلة لسان " غير مقصودة, فبدلا من تصحيح الخطأ الذي يمكن أن يقع فيه أي إنسان ينتمي إلى طائفة البشر, ولا شك أن أي مسئول سياسي في أي بلد ينتمي إلى هذه الطائفة, ويمكنه من فرط انفعاله أحيانا أن يزل لسانه, بدلا من الانتباه إلى الخطأ, يقوم البعض للتنظير لذلك الخطأ, بل ويعتبرونه " عبقرية " جاءت في لحظة إلهام مهمة, ولا بد من إبراز الخطأ ووضعه موضع " المقولات " المهمة التي يجب أن تطبع على لوحات وتعلق في الشوارع ليعرفها كل الناس . حدث هذا الأسبوع الماضي مع الرئيس الفنزويلي " هوجو تشابث " , الذي أحدث وصوله إلى السلطة في بلاده هزة عنيفة, ليس في بلاده فقط بل في كل أمريكا اللاتينية, نظرا لماضيه الانقلابي كعسكري سابق فشل في الوصول إلى الحكم من خلال انقلاب عسكري فقرر أن يستخدم النظام الديمقراطي ليحقق هدفه المعلن في تولي السلطة, بل وباستخدام الديمقراطية أيضا استطاع أن يقضي على النظام القائم, ويقيم نظاما جديدا وضعه بنفسه ونفذه باستخدام الأداة نفسها, الديمقراطية . خلال عمليات الهدم التي قام بها الرئيس الفنزويلي للنظام القديم الذي ثار عليه عسكريا ومدنيا, استطاع أن يجند أدوات الديمقراطية لحساب رؤيته الخاصة لتلك الديمقراطية, بل استطاع أيضا أن يجذب الكثير من المعلقين السياسيين ليقفوا إلى جانبه, بعضهم ليس حبا في الرئيس الجديد بل مقتا للأحزاب التقليدية التي ارتكبت من الحماقات والسرقات والنهب طوال العقود الأربعة التي تربعت فيها على كرسي السلطة, وبعثرت كل ثروات الوطن البترولية في دولة تعتبر من الدول المصدرة للبترول, ولكن شعبها يعيش على حد الكفاف . هذه النتيجة المخزية للأحزاب السياسية القديمة تجعل أي خطأ يرتكبه الرئيس الجديد أمرا مغفورا, وخلال عمليات الهدم الدستوري للنظام الحزبي القديم ووضع دستور جديد يكون أساسا لنظام جديد, ارتكب الرئيس هوجو تشابث عددا من الأخطاء, بعضها جاء نتيجة لتصديه للنظام القديم دون معرفة حقيقية بالنظريات التي يريد أن يبني على أساسها نظامه الجديد, مما جعله يخلط ما بين اليمين واليسار, وبين العديد من النظم الرأسمالية, ليشكل في النهاية نظرية خاصة به, أو على " مقاسه " الخاص . لكن هناك أيضا بعض الأخطاء الصغيرة التي يمكن عدها من أخطاء " زلة اللسان " أو " الهفوات " , سمها ما شئت, مثل ذلك الخطأ الذي زل فيه لسانه عند حديثه الحماسي الذي انطلق فيه بوضع أوصاف لاختراعه الجديد " الدستور " مستخدما أوصافا عدة, من بينها كلمة غير موجودة في قاموس اللغة القشتالية ( الاسبانية ) , التي تعتبر اللغة الرسمية في معظم دول أمريكا اللاتينية وفي مقدمتها فنزويلا, وبدلا من التنبيه إلى تلك الكلمة تعود إلى نطق خاطئ لكلمة أخرى, أو أنها مجرد " زلة لسان " لغوية للرئيس تشابث, وجدنا في وسائل الإعلام الفنزويلية من يقوم بالتنظير لتلك الكلمة, ويحاول أن يبحث لها عن أصل أو جذر لغوي يربطها به, وعندما فشل في ذلك قرر أن يؤكد على عبقرية الرئيس تشابث ويطالب بضم تلك الكلمة إلى قاموس اللغة الرسمي باعتبارها أحد أوصاف الدستور . لكن الكاتب المتحمس للرئيس لم يحدثنا عن المعنى الذي يمكن أن نفهمه أو يمكن أن يفهمه متحدثو تلك اللغة, وهو أمر يعين الرئيس تشابث على المضي في طريقه طبقا لرؤيته الشخصية, التي خلقت منه " بطلا قوميا " سواء بالحق أو الباطل, فهو في نظر الشعب الفنزويلي المنقذ, أو على اقل تقدير صورة مصغرة لبطل التحرير الشهير " سيمون بوليفار " , وربما كانت رغبة الرئيس تشابث في أن يشمل دستور فنزويلا الجديد تغيير اسم الدولة ليكون " جمهورية فنزويلا البوليفارية " تحقيقا لحلم التشبه بالمناضل القديم صاحب فكرة تحرير كل أمريكا اللاتينية من الاستعمار الاسباني آنذاك . هذا جزء من الأوضاع التي تعيشها فنزويلا حاليا, وبالطبع ليس كل الأوضاع, لأن تلك الدولة التي تعتبر ثاني أكبر مصدر للبترول للولايات المتحدة الأمريكية كانت قبل وصول الرئيس تشابث للسلطة تعيش على حافة الانهيار الاقتصادي, والدستور الجديد الذي استفتى عليه الشعب قبل قليل جزء من محاولات الرئيس وقف هذا الانهيار, أو على الأقل الإيحاء بان شيئا جديدا يحدث بشكل مختلف على عهده . يرى بعض المحللين السياسيين أن التشيع للرئيس في بعض وسائل الإعلام من أهم عيوبه, مثل ما حدث في حالة المطالبة بضم أخطاء الرئيس اللغوية إلى قاموس اللغة الحديث باعتبار أن تلك الأخطاء جاءت في لحظة من العبقرية السياسية, ولأنهم لم ينجحوا في وقف التأييد الشعبي للرئيس تشابث حتى في إثارة هذه القضية . أعلنوا أن في الدستور الجديد سلبيات تقلل من الثقة فيه, منها أن هذا الدستور تمت كتابته على عجل ودون تأن يسمح لمناقشة بنوده, دون النظر إلى أنها ستكون الحكم في مسيرة شعب كامل نحو المستقبل, ومنهم من يرى أن الدستور الجديد في حقيقته ليس سوى مجموعة من الأفكار التي وضعها الرئيس هوجو تشابث تصلح لأن تكون مجرد خواطر لحالم سياسي, ولكنها لا تصلح لتكون دستورا بالمعنى المعروف في دساتير العالم المختلفة, وانه مجرد كلام مرصوص يحمل بين طياته ما يمكن تسميته " مصائد " للمعارضة, وفي ظله لا يستطيع أحد أن يمنع قيام " دكتاتورية دستورية " مقننة . هناك أيضا من يقول ان الدستور الجديد مجرد " تعويذة " يحاول الكولونيل الانقلابي السابق أن يطبق من خلاله ما فشل فيه باستخدام السلاح, ويحاول الآن أن ينفذه من خلال استغلال تخلف الشعب النسبي عبر استفتاءات يعرف أنها ستكون في صالحه, بعد أن تحول إلى نجم تلفزيوني من خلال برنامجه الأسبوعي, الذي يتحدث فيه من مجموعة منتقاة من السكان العاديين, الذين يتم اختيارهم وفق سيناريو مرسوم مسبقا . على الرغم من تلك الانتقادات التي توجهها المعارضة للرئيس هوجو تشابث من خلال انتقادها للدستور الجديد, فلاشك أن من يقرأ هذا الدستور يكتشف أنه يتضمن بنودا ومواد إيجابية, منها على سبيل المثال تقسيم الدولة إلى أقاليم تتمتع بذاتية تسيير أمورها فيما يختص بجمع الضرائب والاستفادة من الثروات الطبيعية, مما يساعد على بناء شبكة من الطرق والمواصلات المحلية, التي تساعد بدورها على قيام نهضة استثمارية في تلك المناطق بعيدا عن الإدارة المركزية التي كانت تعيق كل شئ, وهو ما كان محرما في السابق . أو الإشارة لأول مرة إلى أن عدد ساعات العمل الأسبوعية لا يجب أن تزيد على 44 ساعة . يبدو أن " تعويذة " الرئيس تشابث استطاعت أن تؤتي بأكلها حتى قبل أن يتم الاستفتاء على الدستور بالشكل الذي تصوره الرئيس ومؤيدوه, فقد تسببت معركة تغيير الدستور في بقاء الميزانية العامة للدولة عن العام 1999 كاملة بلا استهلاك, أي انه خلال العام القادم يمكن إنفاق ميزانيتين عامتين خلال عام واحد, وهو ما يزيد فرصة الحكومة في زيادة معدلات الإنفاق في برامج شعبية . أيضا ساعد ارتفاع أسعار البترول خلال الأشهر الأخيرة على النظر بتفاؤل إلى المستقبل, خاصة أن هذا الخام يعتبر المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية المطلوبة لإقامة نهضة وطنية حقيقية, إضافة إلى أن دخل البترول كان البقرة الحلوب التي كان ينهش منها الفساد السائد في الحزبين الرئيسيين اللذين بددا تلك الثروة لصالح مجموعة من المستفيدين وحرما الوطن والشعب من هذه الثروة الثمينة . ربما كانت الطبيعة المعارض الحقيقي الوحيد لبرامج الرئيس الفنزويلي الإصلاحية, فقد هدمت الأمطار جزءا مهما من سواحل فنزويلا, مما يجعل الحاجة إلى البناء في المناطق الأكثر تأثرا اكثر إلحاحا من تنفيذ برامج شعبية في جميع أنحاء البلاد, لكن يبدو أن الرئيس تشابث على استعداد لتحقيق بناء تلك المناطق كجزء من أمجاده الشخصية, التي من المؤكد ستحسب له باعتبار ه واجه الكارثة بما مطلوب منه كمسئول أول عن الوطن, بل أعلن أنه سيستغل الأوضاع الناجمة عن السيول لينشر سكان المناطق الساحلية المتأثرة بتلك السيول في المناطق السهلية الداخلية الخالية من السكان, وبهذه الطريقة يضرب عصفورين بحجر واحد, تفريغ المناطق الأكثر تعرضا لهجمات الطبيعة من السكان, وتعمير المناطق الداخلية في البلاد, ويحقق بذلك حلما فنزويليا قديما . على أي حال ان من يؤيدون الرئيس الفنزويلي الجديد في كل خطواته بلا انتقادات لبرامجه المطروحة يجدون مبرراتهم, وهي مبررات من صنع النظام السابق الذي جاء تشابث ليهدمه على رؤوس من بنوه ومارسوا من خلاله سلطانهم طول عقود طويلة . ولم يعد لمنتقدي الرئيس مكان في كل هذا الدمار الذي خلفه سابقوه, لذلك ليس أمامهم سوى الانتظار حتى تنتهي فترة رئاسته الأولى ليعرفوا ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه, ولكن يبدو أن الطريق معبد أمام الرئيس الفنزويلي ليستمر في طريقه نحو البقاء في الحكم لفترتين متتاليتين, هذا ما لم يحدث انقلاب مدعوم من الخارج, وهذا يبدو بعيد الاحتمال في الوقت الحالي . ========= (*) كاتب مصري مقيم في اسبانيا.