الحرب الدائرة بين روسيا وشعب الشيشان لمدى الشهور الاربعة الاخيرة هي احدث دورة قتالية لصراع مصيري بين امتين ذي جذور عميقة في التاريخ. في القرن التاسع عشر واجه مسلمو الشيشان قوات القيصر الروسي المسيحية الأورثوذكسية. وابتداء من الربع الاول للقرن العشرين واجهوا عسف النظام البلشفي الشيوعي . وتأتي الان الدورة الثالثة العظمى في روسيا الأورثوذكسية التي افرزها تفكك الامبراطورية السوفييتية لتؤكد اكثر من اي وقت مضى ان ما بين الامة الروسية والامة الشيشانية ليس بأقل من صراع حضاري ديني. القرن التاسع عشر شهد في الحقيقة سلسلة من الحروب بين الروس والشيشان امتدت بمساحة الزمن الى 50 عاما وانتهت الى سيطرة قوات القيصر الروسي على الموقف الى حين. ولكن اذا كان مسلسل الحروب قد افرز هزيمة عسكرية للشيشان فان قوة العقيدة الاسلامية في ذلك الجزء من العالم هي التي ابقت على تماسك الوحدة الوطنية لذلك الشعب. في عام 1917 اندلعت الثورة الشيوعية البلشفية التي سرعان ما تحولت الى حرب اهلية. وفي سعيها لاستقطاب اكبر عدد ممكن من القوميات والاعراق لصف الثورة في مواجهة قوات القيصر ومؤيديه كانت القيادة الشيوعية تنثر الوعود هنا وهناك للقوميات الاسلامية ومن بينها الشيشان. وفي هذا السياق يسجل التاريخ بيان جوزيف ستالين الذي خاطب فيه القوميات الاسلامية قائلاً: يامن دمرت مساجدهم ودور عبادتهم, ويا من دنست عقائدهم وعاداتهم على ايدي القياصرة الذين اضطهدوا روسيا... من الان فصاعدا فان عقائدكم وعاداتكم ومؤسساتكم الوطنية والثقافية سوف تكون مصونة تماما. لكن ما جرى لاحقا على صعيد الواقع التطبيقي طوال عهد الامبراطورية الشيوعية السوفييتية كان امرا مختلفا تماما. فقد حظر على الشيشانيين وغيرهم من القوميات الاسلامية اقام الصلاة في العلن ودمرت المساجد وحرمت دروس الفقه وفي الوقت نفسه جرت عملية من اكبر عمليات غسيل المخ في التاريخ حيث اخضعت الاجيال الجديدة المتعاقبة من الاطفال والصبية والشباب لبرامج تعليم في المدارس والجماعات قوامها الفكر الماركسي... وفرضت اللغة كلغة تواصل رئيسية للقوميات المسلمة. وبانهيار الامبراطورية السوفييتية انتعشت آمال شعب الشيشان وشعوب شمال القوقاز المسلمة الاخرى بأن روسيا الجديدة التي رفعت مبادىء الديمقراطية وشعارات حقوق الانسان سوف تسمح لهم بممارسة حق تقرير المصير والاستقلال كما جرى لشعوب البلطيق التي صارت دولا مستقلة بالفعل. لكن القادة الروس الجدد رفضوا التجاوب, فمع تلاشي النظام الشيوعي استيقظت مشاعر التعصب المسيحي الأورثوذكسي في روسيا على مستوى شعبي, فتجددت المخاوف من بعث اسلامي في القوميات الاسلامية قد ينتشر داخل روسيا نفسها. وبالطبع فان تعاظم المد الاسلامي المتصاعد في العالم العربي وآسيا ومناطق اخرى من العالم ضاعف من هذه المخاوف. وحتى اوائل عقد التسعينيات الحالي كانت المخاوف الروسية مجرد مخاوف سطحية لم تتخذ طابعا راديكاليا الى ان اندلعت اعمال عنف في الشيشان في عام 1994 للمرة الاولى في عهد روسيا اللاسوفييتية. ووقعت حرب روسية شيشانية انتهت بهزيمة للروس مماثلة لهزيمتهم في افغانستان في الثمانينيات. ولكن كان من الواضح ان العسكريين والسياسيين الروس كانوا يضمرون عدوانا لاحقا... فكان اندلاع الحرب الثانية الدائرة حتى الآن. ان اشد ما تخشاه موسكو على المدى البعيد هو ان تصبح الشيشان قاعدة في القوقاز لحركة المد الاسلامي العالمي, وبالتالي انتشار الموجة الى بقية بلدان الشيشان الاخرى. ومع مثل هذا التفكير فان حرب الشيشان كصراع حضاري بين الاسلام والمسيحية الأورثوذكسية والعلمانية في تلك المناطق لن تنتهي حتى لو انتهت دورة القتال. أحمد عمرابي