جبهات رفض التطبيع تتكاثر في الوطن العربي وتتسع, وكلما كثر المطبعون مع اسرائيل كثر أيضا الرافضون للتطبيع, وهكذا فاننا في العالم العربي نسير من ناحية نحو الصلح مع اسرائيل واقامة السلام وما يتبعه من تطبيع, ونسير من ناحية اخرى نحو رفض هذا التطبيع, بل ومقاومته ايضا , وهو ما شهدت به تجربة شعب مصر حتى الآن الذي وقف للتطبيع مع اسرائيل بالمرصاد, ولم يسمح له بأي نجاح حتى مع وجود اختراقات كجماعة كوبنهاجن مثلا. طبعا جبهة, أو بالأصح جبهات, مقاومة التطبيع ورفضه, هي جبهات شعبية غير رسمية, ثقافية على الأغلب وفكرية وقليل منها اقتصادي أو سياسي, نسبة للذين يؤسسونها ويدعون اليها, غير ان هناك جبهات أوسع من تلك المعلنة تقاوم التطبيع وترفضه بصمت وبشرف واباء, تتمثل عموماً في جموع المواطنين العرب العاديين, من الذين يرفضون اي شكل من التعامل مع اسرائيل والاسرائيليين, على نحو ما هو عليه المواطن المصري مثلاً مرة اخرى, منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد والى اليوم. ونبقى مع الجبهات المعلنة, التي لا شك تعبر بصوت عال عن طموح برفض دمج اسرائيل في المنطقة حتى مع وجود اتفاقيات سلام موقعة واخرى في طريقها للتوقيع, وهو موقف لا شك يحرج الحكومات العربية التي وقعت اتفاقيات سلام من ضمن شروطها وبنودها, لا اقامة علاقات دبلوماسية طبيعية فحسب, بل فتح الاسواق والسياحة والتطبيع الثقافي والاعلامي وغيره من اشكال العلاقات السوية بين دول تتجاور او تقع في منطقة جغرافية واحدة, فتستدعي تعامل شعوب هذه الدول مع الاسرائيليين بشكل طبيعي, ظل مثل هذا التعامل حتى الآن مرفوضاً ومكروهاً وشبه محرم. ومع كل خطوة سلام جديدة أو مع كل اتفاقية وشيكة, كالاتفاق المقبل بين سوريا واسرائيل, تتزايد جبهات الرفض العربية, من موريتانيا الى الكويت مروراً بالجزائر وغيرها, ففي شهر واحد هو ديسمبر الحالي أعلنت شخصيات جزائرية بارزة, ثقافية وفكرية, تأسيس جبهة وطنية في الجزائر لمناهضة التطبيع مع اسرائيل, رداً على مصافحة بوتفليقة ـ باراك الشهيرة وعلى دعوات من احزاب بالتطبيع, كما أعلنت في الشهر نفسه شخصيات كويتية وخليجية عن لجنة تحضيرية تعد لتأسيس مؤتمر شعبي لمقاومة التطبيع في الخليج, كما ان هناك تململاً شعبياً في موريتانيا من خطوة التبادل الدبلوماسي مع اسرائيل. وهكذا فان جبهة رفض التطبيع تتسع وتتكاثر, وهذه الجبهات تملك بطبيعة الحال بالاضافة الى المصداقية, القدرة على العمل والمناورة كلما كانت بلدانها بعيدة عن اسرائيل وليست معنية بالاتفاقيات مباشرة, كالجزائر ودول الخليج مثلاً, من التي تريد لها اسرائيل وأمريكا ان تكون مجرد دول مانحة تنفق على السلام وتستفيد من أسواقها وبترولها وثرواتها, على حد ما يقرر بيان لجنة الكويت, وهو صحيح مئة بالمئة, فالتطبيع لا يخدم من قريب أو بعيد سوى اسرائيل. وبما أن دولاً كموريتانيا والجزائر وغيرهما وكدول الخليج العربية لا مصلحة مباشرة لها مع اسرائيل ولن يحقق لها السلام العربي مع اسرائيل أية مصالح مما نعرف بين الدول, فان اقامة علاقات مع اسرائيل يمكن فقط ان يظل في اطاره السياسي في حال انجاز السلام كاملاً, مما تفرضه عادة البروتوكولات لا أكثر, أما التطبيع, فأضراره أكثر من فوائده, خاصة مع وجود نفور شعبي منه, ووجود خلل أساسي فيه, يعطي كل المصلحة لاسرائيل. وعليه فاننا اذا قضينا عمرنا مختلفين على الحرب, فانه من الواضح اننا سوف نعيش بقية عمرنا مختلفين على السلام, ما بين مؤيد بالكامل له الى درجة التطبيع وبين رافض للتطبيع, فنخوض هذه المرة حروب التطبيع بعد ان خضنا حروب التطويع, غير أن الخوف أن تنتهي حروب التطبيع كما انتهت سابقتها, فنرى أنفسنا جميعاً من المحيط الى الخليج مطبعين كأحلى ما يكون التطبيع, مشياً وجرياً وزحفاً على البطون, ان لزم. عبدالحميد أحمد