ربما الضجر.. او الرغبة في التغريد خارج السرب.. او الالحاح لمعرفة سبب غرامنا بحرق المراحل وربما الثلاثة معا وراء كلمتنا. انا شخصيا انحاز للضجر كنبع استفدنا منه كثيرا, لكن خطورة الضجر تكمن في انه يقود صاحبه الى واحد من اثنين: اما الى تهور كل همه ضرب معنى ما, او نسف صيغة معينة, او ازاحة مقولة مطروحة عن مكانها دون بذل الجهد في ايجاد بديل لائق لاخصابها .. واما الى رغبة مخلصة في افتضاض مقولات سائدة, وصلت الى مستوى (العلكة) حتى اتلفت اسناننا, وارهقت فكوكنا. ولسنا ندري الى اي فئة ننتمي؟ ولا الى اي الطريقين اقلعنا؟ جميعنا يتذكر عندما كنا اطفالا صوت المعلم وهو يقول لنا في حصة الاملاء: ابدؤوا من اول السطر, وكنا نعرف ان عبارة (من اول السطر) تعني استطرادا لغويا لفكرة سابقة, وتعني ايضا المزيد من الكلمات والصور لإثراء موضوع حصة الاملاء. فاذا اردنا ان نحشر وجودنا في احتفاليات الالفية الثالثة, علينا ان نتأكد من تاريخ (اول سطرنا) وما اذا كان من حوش الحضانة؟ ام من مدرج سابقيه التراكم؟ يبدو ان الهوجة الاعلامية عن الالفية الثالثة اصبحت مثل مضغة البنيوية, التفكيكية, والعبثية, والدادئية, الى اخره. لذلك يبدو صحيحا قول الدكتور حسن حنفي, ما معناه: ان مثقفينا (يهاتفون) المراكز الثقافية في الغرب, لكي يقفوا على اخر صرعات المصطلحات الفكرية والادبية والسياسية عندهم, ثم يشيعونها بين ظهرانينا, تارة في المنتديات والاطروحات الثقافية, وعلى موائدهم الخاصة تارة اخرى, متجاهلين بذلك السياق والتجربة اللذين انتجا هذا القول او ذاك. بالطبع كلام الدكتور يثير قضية هي أس بلوانا, وهي وقوعنا الدائم في اسر التبعية, حتى في اشد خصوصيات الاخر. لذلك نزعم ان لدينا كل الحق في مهاجمة استعداداتنا للالفية الثالثة التي التقطناها من اعلام الغرب, والتي دوخناها في كل خطاباتنا المقروءة, والمسموعة, والمرئية. فالحديث عن الانجازات وشيكة الانتهاء على اشده, قبل حلول الساعات الاولى من القرن الواحد والعشرين, وكأننا نحتاج الى تخوم قرن جديد لكي نسدد فواتير التزاماتنا تجاه شعوبنا. فمطالب المواطن العربي تحتاج الى تخوم الدقيقة والساعة واليوم, فالجوع الى الوضع الانساني الحقيقي له تاريخ طويل من انتظار حد الكفاف. وبالتالي فان ارتداءنا للملابس الرسمية لطرق ابواب احتفاليات القرن الجديد, لهو امر مثير للسخرية. والحقيقة ان ذلك يذكرنا بالمثل الدارج (نلبس مزيكا) , اي نرتدي ملابس الموسيقيين. دون ان نعرف العزف او حتى النفخ في القرب. والان سوف نورد بعض الملاحظات لعلها تزيح الستار اكثر عن مقاصدنا: ان الدخول الى القرن الواحد والعشرين لا يحتاج الى قرار, فدورة الافلاك لا تستأذن احدا, فالقرن الجديد سوف يظللنا لا محالة دون الحاجة الى ضجيج اعلامي مترهل, وكأننا سوف ننتقل الى زمن اخر مختلف, الامر الذي يحيلنا الى مدى احساسنا بالزمن وحقيقة تواصله وتعاقبه. ان احتفال الغرب بالالفية الجديدة لن يزيد بأي حال من الاحوال عن طراطير وفرقعات اعياد السنة الميلادية, لأنهم سوف يحتفلون بالذي تم انجازه من ثورات فكرية, وعلمية, واجتماعية, وسياسية, وكل مقومات السيطرة والاخضاع الكوني. ومع ذلك نصر على الدخول الى (هيصة) الاحتفالات من باب الخدم, بدلا من تسيدنا لأوضاعنا وحجمنا الحقيقي, باتخاذ هذه المناسبة كفرصة تاريخية لمراجعة كل الطموحات والنجاحات والاخفاقات في النصف الاخير من القرن الحالي. يقول الكاتب السياسي مصطفى الحسيني ان في تفكيرنا خاصيتين معوقتين للتفكير السديد: الاولى اننا نخلط بين التاريخ والميتافيزيقا التاريخية, او تحويل التاريخ الى ميتافيزيقا, اي اننا مازلنا نمارس الجرح النرجسي بكل ما فيه منجزات ماضية لم تبرح لحظتها حتى الان, معتقدين ان ذلك كفيل بادخالنا القرن الواحد والعشرين. لذلك عرج الكاتب الى الخاصية الثانية المعيقة وهي الخلط بين الفرضية والواقعة, اي بين حالنا الحقيقي, وما نعتقد اننا عليه. لقد اطلق الغرب مقولة (الامية التكنولوجية) كتنبيه او كتحذير الى كل من يبتغي الانضمام الى النادي التقني كعضو مشارك, وليس كضيف مجبور الخاطر لدى مضيفه. يحدث ذلك في الوقت الذي مازلنا فيه لم نتخلص من الامية الابجدية, او قل امية المتعلمين. لذلك توهمنا ان مجرد استيراد الاجهزة التقنية وانظمتها وطرق تشغيلها, هو مخرج يضعنا في خانة اسوياء الاستخدام. اذن هناك فهم مشوّه لمعنى المشاركة التكنولوجية, ومعنى الاستقلال التقني. ان تطوير وسائلنا لم يرتبط قط بالغايات.. بمعنى اخر هناك حالة تشبه وضع العربة امام الحصان.. فقد رصفنا الشوارع دون القدرة على صناعة وسائل المواصلات التي سوف تستخدم هذه الشوارع, سمحنا ببعض الحريات الشكلية دون ان يتعدى ذلك الى عمق القضايا وجوهر المشاكل الحقيقية التي نعانيها فعلا. وسعنا من الرقعة الزراعية بحجة الاكتفاء الغذائي في حين ان موانئنا تئن من اطنان المعلبات المستوردة. انشأنا ـ عفوا ـ اشترينا قمرا صناعيا لكي نثبت للعالم قدرتنا على انتاج الرقص والطبل والبرامج (الفشارية) , دون ان نفكر لحظة واحدة في ان قمرا صناعيا اقل تكلفة بوسعه ارشادنا عن الموارد الطبيعية التي تسكن باطن ارضنا. تحدثنا عن رغبتنا المهووسة في السلام مع اعدائنا, في حين ان السلام الاجتماعي بيننا مازال قيد التأجيل.. الخ هذه الحالة من التناقض والسيولة الادراكية التي تضع العصي في دواليب التمادي في اننا على اهبة الاستعداد لولوج القرن الجديد. لو دققنا النظر في ضيوف الاحتفال الحقيقي لوجدناهم اصحاب تكتلات اقتصادية وسياسية ضخمة جدا, في الوقت الذي فشلنا في انشاء سوق عربية مشتركة تخفض سقف الواردات العربية التي بلغت اكثر من 150 مليارا من الدولارات. فضلا عن انهم اصحاب تجربة تاريخية من السياق المنطقي لوسائل الانتاج وعلاقاته, فمن المجهود العضلي الى قوة البخار, مرورا بالآلة الحديدية, ثم التكنولوجيا, وانتهاء بالمعلوماتية.. وانتظارا للفضائي, وصاحبت كل هذا وفرة وحرية سوق املت حقوقا للعمال وللمستهلكين راسخة, لدرجة ان اي جنوح عن هذا الانجاز بوسع مستفيديه ان يقيموا الدنيا دون ان يقعدوها, كما حدث مؤخرا في مظاهرات مدينة سياتل الامريكية التي ربما تؤدي الى اعادة النظر في مسألة الجات والعولمة.. يحدث كل هذا ونحن مازلنا نبحث عن تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر, وهي من مخلفات ما قبل الرأسمالية. ان مراجعة سريعة لتقارير حقوق الانسان في عالمنا العربي سوف تثبت ان الانسان ومعناه وشرطه الوجودي هو الرقم الصعب في مسيرتنا الالفية المنصرمة.. فمازالت معظم الدولة العربية تتوجس من حرية التعبير على انها خطر محدق, مفضلة عليها اسهل وسائلها وهي السحق والتنكيل.. وهو امر يقودنا الى مدى تثمين صوت الانسان العربي لدى بعض اولي الامر الذين رتبوا النتائج قبل المقدمات. واخيرا علينا ان نعي ان الشرط الوحيد للدخول الى الالفية الثالثة, هو المراجعة الجذرية لمفاهيم تفوق مفاهيم عصر التكنولوجيا والمعلومات اهمية واستحقاقا, مثل الوطن, والمواطنية, والانتماء, والانسان, والكرامة, والحرية, وكل ما يتعلق بلبنة المكان والزمان والانجاز. بودنا في الوقت الذي يضيء فيه العالم الاول انواره الاحتفالية ان يجتمع مفكرو الامة ومخلصوها تحت قبة تحرسها دواسة الدأب على وضع اجندتنا المستقبلية في هدوء, وبعيدا عن الجلبة والضجيج, حتى لا نصبح كما قال المفكر الجزائري مالك بن نبي: كالثور الذي ينطلق بحماقة صوب الراية الحمراء, دون ان يعرف ان المطلب الحقيقي متمثل في (الماتادور) . فهيا بنا نخلع ملابسنا الرسمية فالدعوة لم تأت بعد, حتى نبدأ سطرنا الحقيقي. * كاتب مصري