يشكل الموقف من التراث واحداً من أكثر الموضوعات اثارة للجدل والخلاف وأشدها تعقيداً وحساسية, مما جعل منها موضوعة ذات صفة اشكالية في الخطاب الفكري العربي ومواقف مثقفينا المعاصرين, منذ عصر النهضة حتى وقتنا هذا . ولعل مما يلحظ في تناول الخطاب الثقافي العربي, اننا من النادر ان نجد انضاجاً علمياً لرؤية واضحة متمايزة لموضوعة التراث في فكرنا المعاصر, بعيداً عن منطق الفعل ورد الفعل, أو بمنأى عن اسقاط احد طرفي المعادلة التي تحكم رؤيتنا للتراث, وأقصد بهما (الأنا) و(الآخر) . ولنا اذا ما شئنا التأكد من واقع هذه الاشكالية, النظر في بعض مظاهرها الدالة على مدى التباين والاختلاف, عند ابرز ممثلي المشروعات الفكرية تلك فلا ريب ان مشروعي رؤية الافغاني والطهطاوي مثلاً يختلفان عن مشروع رؤية طه حسين او زكي نجيب محمود, اللذين يختلفان بدورهما عن مشروع حسين مروة. ولا شك في ان مشروع الطيب تيزيني او حسن حنفي مختلف عن مشروع العروي او الجابري, مثلما هما مختلفان عن مشروع أركون وعلي حرب وجابر عصفور على سبيل المثال لا الحصر فلكل من هؤلاء المثقفين خطابه المعبر عن منهجه في قراءة التراث, وآليته في تحليله وفهمه وامتلاك رؤية كلية او تفصيلية له. تعدد الخطاب الفكري ومع ذلك فإن بالامكان القول ان الخطاب الفكري المعاصر قدم لنا ثلاثة اتجاهات متمايزة في رؤية التراث والموقف منه, لا يكاد ينجو احدها من قصور في فهم طبيعة العلاقة بين ماضي الأمة وحاضرها من جهة, وبين الأنا والآخر من جهة اخرى وهذه الاتجاهات هي: 1 ـ الموقف النازع صوب تمجيد التراث والعودة اليه, بالسير على نهج الاجداد والتمسك به, محافظة على الهوية الثقافية ورفض النموذج الحضاري للآخر (الغربي), وعد أي خروج على هذا النهج تحللاً من التراث وتنكراً له, واساءة اليه, قد تصل عند بعضهم احياناً الى لون من ألوان التآمر ضده. وقد عبر هذا الموقف عن نفسه في جملة من المظاهر والجهود منها, الرؤية السديمية للتراث, والحماسة له والعمل على الدفاع عما أنتجه السلف, ونشره وتحقيقه دونما تفرقة بين غثه وسمينه. ولا ريب في ان الباعث على هذا الموقف هو حالة الاستلاب التي نعيشها في عصر تفوق الآخر وهيمنته, وفقداننا نحن العرب كل شيء فيه, الى جانب مشاعر الخوف التي تدفع بنا الى التخفي خلف مواقع دفاعية للاحتماء وراء ماضينا وستر ضعفنا, وهو سلوك لا نكاد نتبين له حضوراً في فترات الازدهار الحضاري والتقدم الثقافي للأمة. 2 ـ الموقف الذي يرى في التراث انجازاً (ماضوياً) لم يعد يقوى على مطاولة تراث الآخر ولا على التعبير عن طموحات الانسان العربي المعاصر مما يقتضى ـ في نظر اصحاب هذا الموقف ـ احداث قطيعة مع الماضي الآفل, وتبني النموذج المعاصر, الأكثر قوة وهيمنة وفاعلية. لقد اختار هذا الاتجاه كما هو واضح التلفع بأنماط الثقافة الغربية وبنائها المعرفي, وسعى الى (لوك) مصطلحاتها والمبالغة في تبني مناهجها وآليات بحثها وتحليلها دونما تأمل فيها او مراجعة لها, ناهيك عن نقدها واتخاذ موقف منها. 3 ـ الموقف التوفيقي الذي يسعى جاهداً الى ضروب من التهجين وألوان من الانتقاء من هنا وهناك, لتقديم رؤية جديدة في ظاهرها, تتخذ شكل (توليفات سيليفونية) براقة لكنها مفرغة غالباً من شروطها التاريخية ومسوغاتها العلمية. والحق ان الذين يحصرون التراث بالماضي وبانجاز السلف, ويدعون للعودة اليه, حفاظاً على هويتنا كما يزعمون, لا يمكن ان يكونوا علميين في نظرتهم وهم يرون في التراث قيمة مطلقة وانجازاً حضارياً متعالياً على الزمان, خارجا عن لحظته التاريخية, ناهيك عما يكشف عنه مثل هذا الموقف من مغالطة لا تدرك حقيقة ان الحاضر الذي نحياه اليوم سيؤول الى ماض يوما ما. ولعل الجانب الاكثر خطورة في دلالته السلبية في موقف هؤلاء هو استهانتهم من حيث لا يشعرون بالعقل العربي وانتقاصهم من امكاناته المتجددة الدائمة, وسلبهم ايانا ـ نحن جيل الحاضر ـ امكانات الابداع والتواصل في مقابل اضفاء القداسة كلها على الماضي وحده. ولا يغيب عن الذهن اخيراً ما يمكن ان ينطوي عليه هذا الموقف ـ على مستوى الرؤية الانسانية ـ من نظرة جنسية (عرقية) متعالية, ما زلنا نكتوي بنار جذوتها في موقف الآخر, المهيمن المنحاز وغير الموضوعي. واذا كان الساعون الى دمج التراث بالماضي قد عبروا عن قصور في رؤيتهم التاريخية للتراث, وكشفوا عن وقوعهم في أسر النظرة التبسيطية (الواحدية) المجانبة للمنهج العلمي, فإن الداعين الى ضرورة احداث قطيعة مع الماضي وتبني نموذج الآخر ليسوا أقل خطأ او قصورا بل لعلهم يتفوقون على سابقيهم في انطلاقهم من عقد الاحساس بالدونية وبمركبات نقص اوصلتهم الى حالة من اليأس, لم تر أفقاً للخلاص سوى بالاستسلام وبالتمسك بتلابيب النموذج الحضاري الجاهز, والتبرؤ من أيما صلة لها بالماضي وبحضارة الامس وماضي الاجداد. واذا كان صحيحاً ان المتابعة السلبية للآخر وتبني نموذجه, ينطويان على تبعية تستوجب الرفض, فإن الوقوف عند حدود الماضي التليد وتكريس الاتجاه الساعي نحو تقديسه والنظر اليه نظرة اطلاقية (لا زمنية), لا يقل عنه سلبية وخطرا. ان من الخطأ الجسيم ولا شك النظر الى حاضرنا في ضوء المعطيات الحضارية للآخر ومنجزه, مثلما هو خطأ النظر الى حاضرنا في ضوء ماضينا. تجاوز النقيضين ولعل جوهر الموقف العلمي الصحيح يتمثل في جعل حاضر الأمة موضع العناية الأساسية ونقطة الانطلاق الدائمة لأيما تجديد او نهوض حضاري بل والمقياس الأكيد الذي نحتكم اليه في الموقف من الماضي ومن انجاز الآخر وفهمهما وتقويمهما. من هنا فإن المنهج الذي ندعو اليه انما يتجاوز ضغط المحددين الموضوعيين (الأنا والآخر), ليستبدل بهما الاخلاص لحاضر الانسان العربي ولحظته التاريخية المعيشة, بغية تحقيق قراءة موضوعية لماضي الأمة وانجاز الآخر في آن معاً, ولتجنيب الخطاب الفكري المعاصر من ثم الوقوع في اسر التبعية لأي من المعطيين الجاهزين المهيمنين (الأنا والآخر). ولعل من الطبيعي القول اننا ينبغي ان نقرأ ماضينا في ضوء معطيات ثقافتنا العصرية المتاحة وشروطها التاريخية, مثلما نقرأ ثقافة الآخر في ضوء ثقافتنا العصرية لا العكس وهو امر من شأنه ان يحول فيما بعد دون ان يرمي كل من الماضي والآخر بثقلهما على الخطاب الفكري لنا, وعلى حاضرنا ليحجمانه في ضوء الانجازات ويكيفانه على وفق معطياتهما. ان الطموحات المشروعة في تحديث تراث أية أمة, ومنها أمتنا العربية, وتأصيل أسئلته, يتطلب أول ما يتطلب, الحيلولة دون اسقاط الماضي على الحاضر او تأويل الحاضر بالماضي وهو أمر لا يمكن تحقيقه ما لم ننطلق من اللحظة التاريخية المعيشة بوصفها نقطة بدء ومنطلقاً اساسياً لأي تفكير مخلص وتوق جاد. انها اذن ليست قضية فهم (لازمني) اطلاقي, ولا جنسي (عرقي) , بقدر ما هي قضية امتلاك الامة للحظتها التاريخية وقدرتها على استخدام عقلها استخداماً صحيحاً, وتوظيف ادوات المنهج العلمي القادر على قراءة معطيات الحاضر والماضي, في ضوء الشروط التاريخية ومحددات التطور الحضاري للأمم والشعوب. بهذا المعنى لا يغدو الوفاء للتراث والاخلاص للسلف الصالح مشروطاً بالخضوع الكلي لما انتجته عقولهم من افكار وفاضت به قرائحهم من ابداع او بتعقب خطاهم بوقوع الحافر على الحافر. ولا أحسب فيما بعد ان ثمة قيمة او فضيلة وراء اعتماد امة ما نهج محاكاة انماطها السلفية محاكاة مماثلة, لا تخلو من ازراء بالعقل, افضل ما وهبه الله لنا, فضلاً عن ان تراثنا العربي المضيء نفسه ما كان له ان يقدم انجازه الشامخ, لو اكتفى أهله في لحظتهم المعيشة تلك بمتابعة الانماط السلفية السابقة عليهم والركون الى التقليد السلبي. ان في المغايرة المتأتية من اعمال العقل واستخدامه وتوظيف أسبابه, وفي تأمل الموضوعة وتحليلها والكشف عن قوانين تشكلها وفهم منطقها, بغية ادراكها وانتاج وعي جديد (عصري) بها, ان في ذلك كله ما يعصم المجتمع الحضاري والأمة من آفات الجمود والمراوحة والتخلف. ان ما ينبغي حقاً ان يكون جديراً بالاتباع عند سلفنا, هو معرفة حقيقة ما أرقهم وقادهم الى البحث والسؤال والاستنتاج, واضرم جذوة الروح المبدعة فيهم ففي ذلك اكرام لهم واحترام لعقولنا ولقيمة عطائنا, وتقدير لذاتنا الحرة وكياننا المستقل, والا تحولنا الى محض ظلال باهتة وأشباح لا حقيقة واقعية لها. * ناقد وأكاديمي عراقي