للثقافة تعريفات مختلفة ووفقا لاحد هذه التعريفات الثقافة هي (جميع طرائق التفكير والسلوك والانتاج التي تنقل من جيل إلى جيل تال بواسطة التفاعل الاتصالي وليس النقل الوراثي) وبما ان اللغة تؤدي دورا رئيسيا في التفاعل الاتصالي فانها عامل رئيسي في تشكيل المضمون الثقافي ويقوم تأثير متبادل بين اللغة والثقافة وفي هذا المقال سيجري تناول مسألة التأثير الثقافي المترتب على استعمال اللغة الفصحى العربية واللهجات العامية العربية. يشع في هذه الايام استعمال اللهجات العامية العربية في الحوار في بعض القصص والقصائد والزوايا الرياضية والفنية, في الاذاعة والتلفزيون والصحف وفي قسم لايستهان به من الافلام والمسرحيات مما قد ينم عن الاستخفاف باللغة الفصحى وفي الحقيقة ربما يدور في الوطن العربي تنافس بين اللغة الفصحى واللهجات العامية وفي هذا التنافس ان كان موجودا حقا, حققت اللغة الفصحى مكاسب لايستهان بها فقد تعزز مركزها على تفاوت في الكليات والجامعات والمعاهد ومراكز البحوث الحكومية وغير الحكومية. نشأت في اواخر القرن التاسع عشر دعوة الى استعمال اللهجات العامية العربية وكان من الداعين الى استعمالها بعض الكتاب منهم يعقوب صنوع ومن اللازم ان يقوم العرب الغيورون على اللغة الفصحى بمحاربة هذه الدعوة بسبب الاثار الضارة المترتبة على استعمالها في التماسك الثقافي العربي والهوية الثقافية العربية. لقد تصدى لتلك الدعوة الخبيثة اناس غيورون على اللغة الفصحى ودعوا الى مقاومتها ومن الواجب, من منظور المحافظة على الهوية القومية والثقافية والحضارية العربية التأكيد القوي على انه في هذا المجال لا مكان للتهاون, والتصدي بسرعة لهذه الظاهرة البغيضة مخافة ان يستفحل امرها قبل ان يقطع دابرها فالكثير من البلايا الكبيرة تبدو في بدايتها صغيرة, واذا لم يوضع حد لها ترسخت جذورها وعم ضررها ومما يزيد من اهمية سرعة تدارك ومقاومة هذه الظاهرة وجود جهات تروج لها وتدفعها اعتبارات سياسية وثقافية خاصة بها, ولا تتفق بالضرورة مع الاهداف السياسية والثقافية العربية العليا. التجانس الثقافي ولاستعمال اللهجات العامية هذا اثار سلبية في قضية تحقيق التجانس الثقافي العربي. يأتي هذا الاستعمال على حساب استعمال اللغة الفصحى ويعزز اللهجة العامية لذلك القطر, مما يكون معناه تعزيز النزعة القطرية وبما ان اللهجة العامية لكل قطر تعبر الى حد معين عن ثقافة ذلك القطر, فان من شأن هذا الاستعمال تعزيز اللون الثقافي العربي القطري الاقل شمولا من الثقافة العربية العامة وبما ان هذا الاستعمال من شانه ان يكون على حساب استعمال اللغة الفصحى فان استعمال اللهجات العامية يمنع او يؤخر تعميم اللغة الفصحى ولتحقيق التجانس الثقافي العربي ينبغي استعمال اللغة الفصحى التي يستعملها العرب كلهم, واستعمال اللهجات العامية لكل قطر يؤخر استعمال اللغة الفصحى مما مؤداه تاخير تحقيق التجانس الثقافي العربي. وعلى نحو آخر يقلل استعمال اللهجات العامية احتمال تحقيق التجانس الثقافي العربي فاللغة الفصحى العربية هي الوعاء الكبير الذي يضم التراث العربي والاسلامي خلال فترة تزيد على اربعة عشر قرنا ويضم هذا التراث المعاني والرموز التي يمكن ان تسهم في تحقيق التجانس الثقافي العربي, واضعاف معرفة اللغة الفصحى نتيجة اشاعة اللهجات العامية, من شأنه ان يحجب عن ابناء الوطن العربي مضامين التجانس الثقافي والسياسي الكامنة في التراث العربي والاسلامي, وبحجب مضامين هذا التجانس تتعزز النزعات السياسية القطرية. واللغة ـ سواء اللغة الفصحى او اللهجة العامية ـ عبارة عن مفردات تحمل كل مفردة دلائل مختلفة, واستعمال المفردات في سياق معين ـ مثل سياق مجتمع أو شعب أو قطر ـ يجعل دلالة المفردة أو العبارة مقصودة, ويجعل الرسائل من دلائل ورموز وإيماءات مشتركة في ذلك السياق المحدد. وعن طريق استعمال اللهجة العامية في كل قطر عربي أو في مناطق داخل القطر نفسه, يقتصر الاشتراك في تلك الرسائل على الذين يفهمون تلك اللهجة العامية, وبذلك يستبعد عن تلك الرسائل المقصودة الذين لا يستعملون تلك اللهجة وبالنظر إلى ان تلك الرسائل تشكل أساس الثقافة فإن قصر الاشتراك في تلك الرسائل على قطر عربي معين, يعني الإسهام في تجزئة الثقافة العربية الشاملة ونشوء ثقافات عربية قطرية مختلفة. التجزئة السياسية ولهذه التجزئة الثقافية آثار سياسية, فالتجزئة الثقافية تقلل احتمالات التوحيد السياسي أو التجانس السياسي, لأن التماثل الثقافي لابد من ان يكون أحد أسس التوحيد السياسي أو التجانس السياسي, وبما ان الثقافة تحمل مضامين سياسية وان الثقافات المختلفة تحمل مضامين سياسية مختلفة, فإن التجزئة الثقافية تعني اختلاف المضامين السياسية, ولتحقيق التجانس السياسي العربي ينبغي تحقيق التجانس الثقافي, وبالتالي فإن لظاهرة نشوء اللهجات العامية ـ التي تؤدي إلى تجزئة الثقافة العربية أثرا سلبيا في تحقيق التجانس السياسي. واللغة الفصحى العربية احدى الوسائل بالغة الأهمية للحفاظ على الأمة العربية التي تواجه الأزمات والتحديات الداخلية والخارجية على شتى الصعد. وتضعف هذه الأزمات والتحديات الأمة, ولها مردود سلبي على أهداف هذه الأمة ومستقبلها ومصيرها, ومن شأن اشاعة استعمال اللهجات العامية العربية وحلولها محل اللغة الفصحى العربية ومنافستها لها, ان تكون لها آثار سلبية في هذه الأمة وأهدافها ومستقبلها. ومما له صلة بهذا الموضوع انتشار الأمية في الوطن العربي, فانتشار الأمية أحد الأسباب في استعمال العامية, وبذلك تسهم الأمية في التجزئة الثقافية, ولكبح استعمال اللهجة العامة من اللازم , إذن تقليل نسبة الأميين, وازالة الأمية في النهاية. والسبب الآخر في شيوع استعمال اللهجة العامية في الوطن العربي هو الصعوبة النسبية في اتقان التكلم والكتابة باللغة الفصحى, وأعتقد ان اللغة العربية بقواعد نحوها وصرفها ليس من الهين تعلمها على الطالب أو الطالبة دون الذكاء المتوسط, وبالتالي للإسهام في الاستغناء عن استعمال اللهجة العامية والتشجيع على استعمال اللغة الفصحى, من اللازم توخي استعمال العبارة المألوفة والتركيب البسيط. ومن الجدير بمحرري الصحف والمجلات ومحرري البرامج التي تتضمن زوايا من قبيل الزوايا الفنية والرياضية, ان يكونوا حريصين على تفادي استعمال اللهجة العامية, ومن الجدير أيضا ان يجري تناول هذه القضية على المستوى الحكومي, وان تصدر الحكومات العربية توجيهات بتفادي هذا الاستعمال. ومن اللازم ان تعقد الندوات والدورات الجامعية, وان تبث البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي غايتها الحث على استعمال اللغة الفصحى والثني عن استعمال اللهجات العامية, واظهار الاعتبارات الموضوعية في ذلك, والاشارة إلى الأضرار المترتبة على ذلك الاستعمال. * أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة