لعل في ملابسات تأسيس (عصبة التحرر الوطني) بعض مايفسر تفردها بين بقية الاحزاب الشيوعية العربية, ازاء قرار تقسيم فلسطين (الصادر عن الجمعية العمومية في 29/11/1947. معروف بأن (الحزب الشيوعي الفلسطيني) قد تكون نتيجة خروج الجناح اليساري عن (حزب العمال الاشتراكي) سنة 1922 لتأسيس الحزب الشيوعي فقد حمل (الاشتراكي) اسم مفلاغات بوعاليم سوسيالسنيم وهو الاسم نفسه, لكن باللغة العبرية, حيث ظلت عضوية الاشتراكي وقفا على المستوطنين اليهود في فلسطين حين تأسس, في مارس 1919. منذ البداية الح (الكومنترن) على ضرورة تعريب الحزب الشيوعي حيث لايستقيم امر حزب لا تكون قيادته من ابناء الفئة الاكبر من شعب البلاد المعنية, حيث لم يكن اليهود يشكلون في العشرينيات سوى اقل قليلا من عشر مجموع سكان فلسطين بينما يشكل العرب تسعة الأعشار الباقية بيد ان قيادة الحزب تجاهلت الحاح المركز العالمي للحركة الشيوعية الى ان كشفت قيادة الحزب عن وجهها غير الوطني (الكوزموبوليتي) عندما رأت في الهبَّة الشعبية العربية, احتجاجا على سلوك المستوطنين اليهود عند (حائط البراق) وزعمهم بأنه (حائط المبكى) المقدس عندهم, باعتباره الحائط المتبقي من قصر سليمان بن داوود, على حد ادعائهم. اندلعت احداث الهبة في اغسطس 1929 وامتدت اسبوعين متصلين ورأت فيها قيادة (الشيوعي) مذابح عنصرية لليهود, على غرار (البوجروم) التي نظمتها المئة السود ضد يهود روسيا مطلع ثمانينيات القرن الماضي, فما كان من الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين, الا ان سارع باستدعاء زهاء ستين من قادة (الشيوعي الفلسطيني) وكوادره ولم يعدهم ـ مطلقا ـ الى فلسطين وسرعان ماعقد الحزب مؤتمره السابع, 1930 وانتخب لجنة مركزية احتل العرب اربعة من مقاعدها السبعة, واختارت اللجنة مكتبا سياسيا ثلاثيا, منهم عربيان وفلسطينيان (نجاتي صدقي, ومحمود الاطرش) وبعد مايربو قليلا على العامين, تولى رضوان الحلو منصب الامين العام للحزب. حين اشتعلت الثورة الوطنية المسلحة في فلسطين ربيع 1936 منح الحزب الشيوعي الفلسطيني تأييده المطلق لها واسهم اعضاؤه فيها بدور ملحوظ ولم يشذ اعضاء الحزب اليهود عن نظرائهم العرب لكن هذا الوضع سرعان ما تغير بمجرد لجوء الحاج امين الحسيني الى برلين 1942 مضطرا بعد ان سدت في وجهه ابواب كل الاقطار العربية والاسلامية بلا اسثناء ولتبسيط هذا القائد الوطني الامور لدرجة إيمانه بمقولة عدو عدوي صديقي على كل مافيها من تسطيح مخل ومؤذ. هنا تحفظ الشيوعيون اليهود في فلسطين من الحركة الوطنية الفلسطينية بحجة ان قيادتها رجعية متعاطفة مع النازي الامر الذي شل الحزب وان ابقى الشيوعيين العرب داخل حركتهم الوطنية وظل الشلل مستبدا بالحزب, الى ان حل الكومنتون نفسه, في مايو 1943 مما ازاح العائق الاممي عن طريق الوجود التنظيمي المستقل للشيوعيين العرب الفلسطينيين وشجعهم على المبادرة باعلان الطلاق مع رفاقهم اليهود, تاركين للأخيرين الحزب الشيوعي ليؤسس العرب حزبهم الخالص (عصبة التحرر الوطني) منذ سبتمبر 1943. تسارعت الاحداث الخاصة بالقضية الفلسطينية ابتداء من تحويل الحكومة البريطانية القضية الفلسطينية الى الامم المتحدة حتى القاء غروميكو خطابه الشهير, امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة, في 4 مايو ,1947 ومنه نهجت قيادة العصبة الرسالة, لكن اعضاء قيادة العصبة اختلفوا فيما بينهم, فوقفت اغلبية المكتب السياسي للعصبة ضد التقسيم. وانتهى اجتماع المكتب السياسي, دون اصدار قرار, وان وجد المكتب المخرج في زيارة اعضائه الخمسة لبيروت, والالتقاء برأس الحركة الوطنية الفلسطينية هناك, الحاج امين الحسيني, ومحاولة اقناعه بضرورة ابداء مرونة قصوى مع احتمال صدور قرار عن الامم المتحدة, يقضي بتقسيم فلسطين. لكن الحسيني, استاء من وفد العصبة, ورفض الفكرة, جملة وتفصيلا. معروف بأنه ما ان شكلت الامم المتحدة اللجنة الدولية (انسكوب) حتى سارعت (الهيئة العربية العليا) .. قائدة الحركة الوطنية الفلسطينية, آنذاك, الى اعلان مقاطعتها لهذه اللجنة. فعاجلتها قيادة العصبة بالانتقاد, واقدمت على اجراء اتصال سريع بالهيئة, في محاولة لثنيها عن موقفها المتعنت ازاء (انسكوب) . واستهجنت قيادة العصبة كيف ان (الهيئة العربية العليا) مثلت, ربيع ,1946 بين يدي (اللجنة الانجلو ـ امريكية) الاستعمارية, المعادية لشعبنا, وطموحاته الوطنية, بينما ترفض تلك الهيئة المثول بين يدي لجنة دولية, يشارك فيها اصدقاء للشعب الفلسطيني, وقضيته الوطنية. هذا رغم ان (الهيئة) وضعت ـ منذ تأسيسها, ربيع 1946 ـ (فيتو) على مشاركة الشيوعيين العرب الفلسطينيين (العصبة, المؤتمر, ورابطة المثقفين العرب) في عضويتها, وهي المؤسسة الائتلافية الوطنية, التي خلقت لتجمع تحت مظلتها كل الاحزاب السياسية الفلسطينية. بل ان اتساع افق قيادة العصبة تجلى, مرة اخرى, حين انصاعت لرأي (الهيئة) المتعنت, فلم تمثل العصبة بين يدي (انسكوب) مكتفية بالمذكرة التي قدمتها الى اللجنة الدولية, بعد ان ضمنت هذه المذكرة ابعاد القضية الفلسطينية, من وجهة نظر العصبة, بالطبع. في يونيو ,1947 القى عضو المكتب السياسي للعصبة, رئيس تحرير جريدتها الاسبوعية, (الاتحاد) ورأس معارضي التقسيم داخل العصبة (أميل توما) محاضرة في مقر المكتب العربي بالقدس, عارض فيها تقسيم فلسطين, واعطى صوته لدولة ديمقراطية مستقلة في فلسطين. ما ان صدر قرار التقسيم, في 29/11/,1947 حتى سارعت (الاتحاد) الى نشره, في اليوم التالي لصدوره, في تجرد تام, مع معارضة موهت بين السطور؛ حيث لم تتحمس الجريدة للقرار, لكنها لم تعارضه الا ضمنيا. محاولة التخفيف من وقعه على شعبها وأعضاء العصبة. فرأت (الاتحاد) بأن احتلال المستعمر البريطاني لفلسطين, منذ ,1918 هو الذي قسمها, قبل صدور القرار عن الامم المتحدة, بزهاء ثلاثين عاما, ومضمونه الغاء الانتداب على فلسطين, وجلاء القوات البريطانية عنها, وتحقيق استقلالها بالتالي. وانتهت الصحيفة الى ان الحل النهائي يكمن في فلسطين مستقلة ديمقراطية. الى ذلك حذرت (الاتحاد) من اثارة النعرات العنصرية, التى من شأنها تكريس التقسيم, ودعت الصحيفة اليسارية الى النضال في سبيل حرية فلسطين, وسد ابوابها في وجه المستعمرين, بما يحول دون جعل التقسيم حلا نهائيا. سرعان ما تم التصويت داخل المكتب السياسي للعصبة, لغير صالح القرار, الامر الذي صودق عليه في دورة اللجنة المركزية, التي انعقدت مطلع ديسمبر وان كان اندلاع القتال بين العصابات الصهيونية المسلحة (الهاجاناه؛ الارجون؛ وشتيرن) وبين المناضلين الفلسطينيين, قد حال دون وصول معظم اعضاء اللجنة المركزية الى يافا, لحضور دورة استثنائية للجنة, مما اتاح للأقلية المؤيدة للتقسيم فرصة ذهبية لتمرير تأييدها, وانتزاع قرار من اللجنة, بتأييد التقسيم. لكن هذه (الحركة) زادت الصراع الداخلي اشتعالا في العصبة, ما بين محبذي التقسيم وبين معارضيه. حتى ان اقليم الشمال في العصبة اعلن انسلاخه عنها, متشبثا برفض التقسيم, منتهجا الكفاح المسلح. هكذا تسنى للأقلية الاستئثار بالعصبة, واغتصاب قرارها, كما انها استقوت بالخارج, فدعت إلى اجتماع للاحزاب الشيوعية في العراق وسوريا, فضلا عن العصبة ذاتها, وانعقد الاجتماع, فعلا, في العاصمة اللبنانية, بيروت, حيث طالبت الأحزاب الثلاثة بانشاء جبهة شعبية عربية, في سبيل تحرير الشرق, وأقامة دولة عربية مستقلة في القسم الذي أعطاه قرار التقسيم للعرب الفلسطينيين. غني عن القول بأن مجندي التقسيم من أعضاء العصبة لم يكونوا مجرد منصاعين لموقف مركز الحركة الشيوعية العالمية, بل أساسا, بسبب اقتناعهم بمدى تردي الموقف العربي في ميزان القوى مع أعداء الأمة: الأمريكيين والصهاينة. وقع معظم معارضي التقسيم في العصبة أسرى قصر النَفَس, فاستنكف معظهم وانخرط أغلب هؤلاء مع المناضلين من أبناء شعبهم, الذين حملوا السلاح, وتصدوا للعصابات الصهيونية المسلحة. في هذا الصدد, لا أزال أذكر وجه ان يافا, عضو لجنتها المحلية في العصبة, عضو اللجنة التنفيذية لمؤتمر العمال العرب (الذراع النقابي العمالي للعصبة) موسى قويدر وهو سعيد برشاشه (الستن) انجليزي الصنع, وقد جمد عضويته في (العصبة) و (المؤتمر) على حد سواء. أما المستنكفون, فتصدرهم المؤرخ الفلسطيني المعروف, اميل توما, الذي وصل به الأمر حد مغادرته البلاد إلى لبنان, حيث اعتقلته السلطات اللبنانية, لبضعة أسابيع, قبل ان تفرج عنه, فيعود إلى مسقط رأسه, حيفا لا يلوي على شيء, وليجد نقدا لاذعا لموقفه من رفاقه, مما أبقاه بعيدا عن القيادة, لعدة سنوات لاحقة. نعود إلى العصبة, التي حافظت صحيفتها (الاتحاد) على التحذير من المؤامرات الاستعمارية, إلى ان نجح مؤيدو التقسيم في تنظيم اجتماع تداولي للعصبة, انعقد في الناصرة, شمالي فلسطين, في فبراير 1948 وفيه جرت مداولات ومداخلات, اقتربت من الشجار, إلى ان تم التصويت, الذي عُد مفاجأة, في حد ذاته للجميع, فقد صوَّت عشرون مندوبا إلى جانب التقسيم, ومثلهم ضده, هنا التفت الأمين العام للعصبة, فؤاد نصار, فوجد عضو اللجنة المركزية للعصبة, رشيد الهبَّاب ضد التقسيم, فنهره نصار, فما كان من الهبَّاب إلى ان رفع يده مع نصار, محبذا التقسيم, فمر مشروع تأييد التقسيم. ربما لم يكن من باب المصادفة ان سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين, عمدت إلى تعليق رخصة أسبوعية (الاتحاد) في فبراير نفسه, فتلك السلطات كانت ضد التقسيم, من منطلقات مختلفة تماما, ليست وطنية فلسطينية؟ وقومية عربية, بل لمجرد ان تقسيم فلسطين يؤدي إلى إخراج القوات البريطانية منها, ويترك هذه البلاد لقمة سائغة للصهيونية, ذلك الخصم اللدود لبريطانيا, آنذاك, الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد. فإن النكبة الفلسطينية , 1948, جعلت (عصبة التحرر الوطني) المبعثرة في مواقع ثلاثة, منفصلة عن بعضها البعض تماما داخل اسرائيل وفي قطاع غزة وفي الضفة الغربية, تشدد على ضرورة التحرك السريع لإقامة الدولة العربية الفلسطينية لكن القطار كان قد فات.