في سنة 1920 أعلن مواطن أمريكي اسمه تشارلس بونسي عن مشروع طموح يحل به كما يقال مشاكل الفقراء الراغبين في الثراء, والعزاب الراغبين في الزواج وأشباه الميسورين الراغبين في الاستثمار, أطلق على مشروعه اسما ما لبث أن ذاع صيته بعد ذلك في الآفاق والاسم هو: "مشروع الهرم .. أو المخطط الهرمي" وكما يقول المؤرخون فقد بدأ مشروع الهرم اياه بصيحات الاعجاب وتنهدات الأمل وانتهى بالعض على بنان الندم وشهقات الدموع. لماذا؟ لأن المدعو تشارلس بونسي كان محتالا كبيرا وقد هداه تفكيره الجشع الى استغلال رغبة الناس في الثروة بأيسر الطرق, ولذلك بنى مخططه الهرمي على اساس أن يأخذ من أوسع قاعدة من المشتركين في توظيف أموالهم, ويعطي ما كان يسميه أرباحا أو عوائد لقاعدة أضيق بكثير وكان يقول في ذلك على أن الاموال متدفقة بالضخ المستمر من الراغبين وأحيانا الطامعين في لعبة توظيف الاموال, وطالما ظلت الروافد مترعة بالموارد فلن ينضب المعين بما يكفل باستمرار تغطية حكاية الارباح أو العوائد وكله يصب في كله, والمسائل كانت ماشية والذين كانوا يقبضون الارباح كانوا ينصبون أنفسهم على الفور اعضاء في شبكة الدعاية المجانية والتطوعية لحكاية الهرم الاستثماري المزعوم, مما كان يدفع بالمزيد من المتطوعين ايضا بتقديم أموالهم في انتظار احلام الثراء. والحاصل أن الذين بكروا بتوظيف أموالهم لدى السيد بونسي كانوا أكثر المستفيدين وبالتالي غلاة المتحمسين.. لأنهم كانوا يتقاضون ارباحا طائلة.. بمقياس تلك الايام, لا بفضل حسن ادارة المشروع أو انتاجيته المباركة المستثمرة, ولكن كانوا يأخذونها من أموال الملتحقين الجدد بالمشروع لا أكثر ولا أقل. وكان حتما مقضيا أن يأتي اليوم الذي يقل فيه عدد المنضمين مجددا الى المشروع ومن ثم يبدأ الضخ في النضوب.. وينكشف الملعوب ويفضح المستور.. ويكتشف آخر من انضم أنهم أكبر من خسر فقد ظهر أن المسألة كانت تقوم على مبدأ خذ من الجديد واعط للقديم.. فلما شح الوارد كانت الحسبة كالآتي: قدامى المنضمين نعموا بعوائد ربما توازت مع ماسبقوا الى تقديمه من أموال مما جعل نارهم تبرد الى حد من الحدود.. في حين أن محدثي الانضمام باؤوا بأفدح الخسران فلاهم تقاضوا ارباحا ولا استردوا مما دفعوه شيئا.. بل ضاعت عليهم أصول أموالهم من الاساس. في النهاية السجن كان طبيعيا أن يدخل السيد بونسي الى السجن جزاء وفاقا على حكاية مشروع الاهرام.. وأن يكون عبرة في تاريخ الاحتيال التمويلي, وهي عبرة لم تأخذ بها بل كررت مأساتها حكاية توظيف الأموال في مصر العربية بالذات وقد شهدت خلال عقد الثمانينيات أكثر من تشارلس بونسي انكشف ملعوبهم (والتعبير بالمناسبة للمفكر المصري الراحل فرج فوده) وبعضهم الآن رهين السجن, والبعض الآخر رهين المنفى, فيما جهرت حكومات مصرية متعاقبة في مداواة جراح المخدوعين بتلك المخططات البونسية في طبعتها المصرية, وكان آخرها وعد مشكور ببرمجة تعويض ضحايا مخططات توظيف الأموال من حكومة القاهرة الحالية (ورد في بيان رئيسها الدكتور عبيد أمام البرلمان في جلسة 18/12/1999). درس بونسي المستفاد ومن عجب أن المستقبلين ومعهم الاقتصاديون وخبراء التأمينات والضمان الاجتماعي لا يلبثون يعاودون النظر في مخططات بونسي هذا واضرابه لماذا؟ يجيب عن السؤال الكاتب الأمريكي كوي فيقول: لأن المجتمع الحديث هو بحد ذاته, وفي التحليل الأخير عبارة عن واحد من مخططات بونسي الهائلة ! ثم يسهب المحلل الأمريكي في التفسير قائلا: أن المجتمع البشري ظل على حاله على مدى اجيال وقرون من حياة الانسان فوق كوكب الارض.. لم يكن ثمة زيادة ملحوظة في عدد السكان في هذه البقعة من الكوكب أو تلك كان الناس يولدون ويموتون في إطار معادلة شبه متوازنة وكثيرا ما كانت هذه المعادلة تحتمل لصالح نقص السكان وليس لزيادتهم.. سواء بفعل ارتفاع معدل وفيات المواليد وانخفاض معدل الأجل المتوقع للحياة (متوسطات عمر السكان) ناهيك عن اندلاع الحروب وتفشي الأوبئة, لدرجة قال معها راصدو الديمغرافيا (علم السكان) أن أجيال البشر اللاحقة كانت تقل عن اجيال البشر السابقة. تغيير عمره 250 سنة ولأن الكون في تغير دائم, ودوام الحال من المحال, فقد جاء حين من مستجد من الدهر فاذا باجيال الحاضر يزيد عددها عن اجيال الماضي, واذا بحجمهم الديمغرافي للأخلاف يزيد على نظيره عند الأسلاف, وهذا الحين المستجد من الدهر عمره 250 عاما يعني في سياق عصرنا هذا الحديث, وقد هل على البشرية بفضل تقدم سبل العلاج ولو نسينا منذ قرنين ونصف, وبفضل الكشوف الجغرافية وقدرة الناس على الاستقرار والتحول الحضري واكتشاف نوعيات أفضل من الاغذية واساليب أرقى للتغذية ورعاية الاطفال, واطردت ظاهرة التزايد الديمغرافي باتساع منجزات العلم, ومع ثمار الثورة الصناعية التي تعاقبت مآثرها بل فتوحاتها من البخار الى الكهرباء, ومن اللاسلكي الى الطاقة النووية, و من ارتياد الفضاء الى ثورة الانترنت الحاسوبية وربما كان أحدثها وليس ختامها مجال ثورة الليزر التي قادها بامتياز عالم العرب أحمد زويل الذي صرح مؤخرا بانها أفادت في كشف اسرار حركة الجسم البشري وفهم تفاعلاته الداخلية, بكل تفاصيلها بما يعني فتحا أمام اساليب الطب والتشخيص ووصف العلاج. من هنا زادت معادلة السكان بين طرفيها الاثنين على السواء: * زيادة في المواليد ومن ثم في عدد الشباب * زيادة في عمر الانسان بما يعني زيادة في كبار السن. والشباب يدخلون أفواجا بعد التعليم والتدريب الى سوق العمل والانتاج والكسب ودفع الضرائب. والكهول وكبار السن يظلون افواجا كذلك بحاجة الى خدمات رعاية الشيخوخة من نواحيها الطبية والاجتماعية والخدمية والترفيهية دون أن يفرض عليهم دفع ضرائب, اللهم الا النذر اليسير اليسير. نحن إذن أمام مخطط الاهرام , مشروع الأخ بونسي الذي اودعوه غياهب السجن أيام العشرينيات. ليتجسد في طبيعة هذا المخطط الهرمي, وبشكل مشروع هذه المرة, واقع ونوعية نظم أو مخططات الضمان الاجتماعي وهي تقوم تحديدا على اساس: داخلين جدد أو ملتحقين جدد بالنظام التأميني (وهم أجيال الشباب العامل) يدفعون ويدفعون لصالح الملتحقين الاقدم والأبكر بنفس النظام وهم في اجيال الكهولة والشيخوخة. ضمانات نظام الضمان الفرق الجوهري وربما الوحيد بين مخطط النصاب بونسي وغيره من لاعبي الثلاث ورقات هو أن النظام الهرمي الاجتماعي لن ينكشف أولا لأنه يستند الى ضمانة استمرار زيادة السكان ومن ثم زيادة عدد الشباب والأفراد الاحدث سنا من العاملين مما يضمن بالتالي ضمان استمرار رفد الفطام وتزويده المتواصل بامكانات مالية لا تنقطع (اشتراكات العاملين في التأمينات الاجتماعية والضمانات التعاقدية), فضلا عن أن ضامن النظام أو راعيه هو الحكومات أو المؤسسات التأمينية المشروعة من صناديق وأنظمة وكلها تعمل, وينبغي ان تعمل, وفق القوانين المرعية واللوائح الداخلية المعلنة أمام جمعياتها العمومية بالاضافة الى ضرورة اتباعها مبدأ الشفافية في العمليات التي تقوم بها, ناهيك عن ان القانون يطالبها بتوظيف حوافظ أموالها الطائلة المودعة في أفضل أنواع الاستثمارات واشدها موثوقية ومأمونية متى استطاعت إلى ذلك سبيلا بيد أن المسألة من جانبها الديمغرافي ليست كما قد تظن سيادتك في أمان متواصل وطمان, والا قصدنا الى تدوين هذه السطور: ثمة مشكلة يمكن أن تلحق اخطارا باستقرار هذه المخططات التأمينية وملاءتها (موثوقيتها وجدارتها المالية) وهذه المشكلة تتلخص فيما يلي: ان سكان العالم يميلون الى الانخفاض من حيث العدد, صحيح أنهم بلغوا 6 مليارات نسمة في أكتوبر الماضي بمعنى أنهم تضاعفوا على مدى السنوات الاربعين الماضية, ولكن معدلات هذه الزيادة الديمغرافية متوقع لها الانخفاض لدرجة يتوقع معها هبوط عدد السكان ربما الى درجة من الانكماش بحلول منتصف القرن المقبل وهو ما تتوقعه مؤشرات واسقاطات منظمة الأمم المتحدة وفي بلد مثل أمريكا, تدل هذه الاسقاطا ت العلمية المستندة بداهة الى مؤشرات رياضية, على أن نسبة عدد العاملين (شبابا وناضجين) لكل فرد متقاعد انخفض من 8 الى 5 أفراد وأنه في طريقه نزولا ليصبح ثلاثة أفراد عاملين الى واحد من المتقاعدين وهي نسبة منذرة بالخطر كما نراها ويراها الاختصاصيون والمسئولون. الاباطرة الجدد ثم تعال الى بلد مثل الصين أن معدل الخصوبة الاجمالي في البلد الاسيوي الكبير يبلغ 8.1 وهو أقل معدل في بلدان العالم النامي وهو راجع بدوره الى صرامة السياسة التي ظلت تطبقها حكومة بكين على عائلات سكان الحضر في الصين وعنوانها: ( سياسة الابن الوحيد للعائلة) ويسميها الخبراء احيانا بسياسة "الامبراطور الأوحد" بمعنى الطفل الاوحد الذي تركز عليه الاسرة كل ما يسعها من محبة وامكانات واستثمارات في التربية والتنشئة والتدريب وسائر عمليات التطبيع الاجتماعي. وكلما قل حتى لا نقول انكمش عدد السكان وبالتالي نقصت اعداد الاطفال والاجيال الشابة وهي قوام قوى العمل والانتاج وانماء الثروة وتوظيف الاستثمارات في أي بلد, زاد خطر اختلال هرمية نظام التأمين الاجتماعي, مواليد أقل يساوي شبابا أقل وعاملين أقل ومن ثم موارد مالية وامكانات مادية أقل لاعالة اجيال كبار السن المتقاعدين. ومثل كل الظاهرات البشرية لا يدعي أحد أن ثمة حلا سحريا لمثل هذه المشاكل وهيويا للمفارقة مشاكل ناجمة عن نجاح مخططات الحد من زيادة السكان حرصا على موارد كوكب الأرض . حلول بالعقل. لكن الحلول العاقلة الرشيدة موجودة, وما اذا بدأ البشر يفكرون موضوعيا وفق مناهج عاقلة ورشيدة. وفي مقدمة هذه الحلول ما يمكن تلخيصه بشعار يقول: ( تغليب الكيف على الكم) بمعنى أن كثرة السكان بحد ذاتها ليست هي الحل السعيد وقلة السكان بحد ذاتها ليست مأساة توصل الى نهاية العالم.. والفيصل هنا هو حشد انجازات العلم وفتوحات التكنولوجيا من خلال زيادة الانتاج وترشيد اساليب التعامل مع موارد الطبيعة وامكاناتها وخاماتها من المياه الى الموارد الاولية الى نسب زيادة الانتاجية وتقليل العوادم. ملحوظة هامة: الجزء التالي يأخذ في قلب الموضوع داخل إطار: "كثرة السكان بحد ذاتها ليست هي الحل السعيد وقلة السكان بحد ذاتها ليست مأساة توصل الى نهاية العالم.. والفيصل هنا هو حشد انجازات العلم وفتوحات التكنولوجيا"