عندما يتحدث خبراء (هيئة الصحة العالمية) ومقرها (جنيف) على فشل الهيئة تجاه المعدلات المتضاعفة سنويا للانتشار الوبائي حول العالم لفيروس نقص المناعة المؤدي للاصابة بمرض الايدز فان السبب الرئيسي الذي يعللون به هذا الفشل هو قلة الموارد المالية المتاحة للمنظمة بالمقارنة مع عظم الكارثة . بعيدا عن القضاء على الوباء فان الفشل لا يقتصر على عدم كبح جماحه بل ان الانتشار يتزايد جغرافيا وديموغرافيا. لكن هل الفشل مرجعه فعلا بالدرجة الاولى الى عدم تجاوب الحكومات والمنظمات الغنية بقدر كاف مع هيئة الصحة العالمية؟ ان الاجابة على هذا السؤال لا تحتاج لأكثر من النظر في الاستراتيجية التوجيهية التي اعتمدتها الهيئة للحد من انتشار الوباء. ان اول ما يلاحظ على هذه الاستراتيجية انها لا تعترض فقط على الممارسة الجنسية خارج اطار الحياة الزوجية.. فقط بل تدعو الممارسين لاتخاذ احتياطات عند الممارسة, وعلى هذا النحو صار (الواقي) او (الكوندوم) باللغة الانجليزية اشبه بعلامة تجارية مميزة للحملة العالمية ضد الايدز. وبناء على ذلك فان خبراء الحملة لا يضعون حدا يفصل الممارسة الجنسية المشروعة بين زوج وزوجة والممارسة غير المشروعة خارج اطار الحياة الزوجية. ولهذا فان كلمة (الزنا) كجنس غير مشروع تخلو منها تماما ادبيات الحملة من مطبوعات وافلام ونشرات الخ. ان من البدهيات ان انتشار الاصابة بمرض الايدز مرتبط ارتباطا عضويا بمدى ومعدل انتشار الممارسات الجنسية. فالسبب الرئيسي للعدوى من شخص الى اخر هو ان يمارس الاثنان فعلا جنسيا مشتركا ويكون احدهما مصابا. فاذا كانت الحملة العالمية لا تحض على التقليل من الممارسة على اطلاقها فانها تكون قد هزمت نفسها بنفسها منذ البداية. ومن الواضح ان خبراء الحملة يلزمون انفسهم بقيم المجتمع الغربي تجاه الممارسة الجنسية غير المقيدة باعتبارها ممارسة لحق الحرية الشخصية. ولهذا تسقط عبارة (الزنا) لأن الزنا في الغرب غير قابل للشجب. ولا يغالط خبراء الحملة ان الاباحية الجنسية هي السبب الجذري لانتشار الوباء, وقد لاحظوا في هذا الصدد ان المجتمعات الاسلامية في القارة الافريقية التي تعتبر الزنا جريمة اخلاقية عظمى انطلاقا من مبادئ دينية تقل فيها بصورة واضحة معدلات الاصابة بالايدز بالمقارنة مع المجتمعات غير الاسلامية المسجلة في الشمال الافريقي ـ موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر ـ التي يغلب عليها الالتزام الديني الاخلاقي في التعامل الاجتماعي, يعتبر لا شيء بالمقارنة مع بلدان الجنوب الافريقي المهددة شعوبها الآن بالانقراض من فرط انتشار الوباء. ان مشكلة الايدز في اطارها الصحيح هي مشكلة سلوكية اخلاقية قبل ان تكون معضلة صحية. هذه هي الحقيقة الاساسية التي يجب ان تبنى عليها, وحولها رسالة الحملة التي تنظمها هيئة الصحة العالمية, واذا اعتمدت الهيئة هذه الرسالة فانها سوف تدرك ضد من توجه الحملة بالدرجة الاولى. ان اول هدف للحملة يجب ان يكون تجارة الجنس العالمية التي تستخدم الجنس البشري من الفتيات والنساء كسلعة تباع لمن يدفع لتجني من ذلك ارباحا متعاظمة. هناك شركات ضخمة تعمل في مجال تصدير الفتيات والصبية الى اسواق الدعارة في اوروبا الغربية والولايات المتحدة من البرازيل وتايلاند والفلبين ـ ومؤخرا ـ بلاد اوروبا الشرقية. وهناك شركات الترفيه في الغرب التي تخصصت في علب الليل وسلسلة فنادق قوام نشاطها الاساسي هو الدعارة. بل هناك دول بأكملها مثل تايلاند تعتمد تجارة الجنس موردا رئيسيا من موارد الدخل القومي. هذا كله زنا مهما تعددت واختلفت اشكاله سواء على صعيد الافراد أو الجماعات او الحكومات. وسوف تظل جهود هيئة الصحة العالمية هباء منثورا اذا ظلت رهينة القيم الرأسمالية الغربية.