قرأت يوما في كتاب نسيت عنوانه : (ان الصحفي والكاتب في العالم الثالث يتزعمان عملية تغيير وجهات نظر القراء, وهما في اغلب الاحيان يقومان بمهمة رفع المرآة ليمكنا ابناء المجتمع من ان يروا انفسهم اثناء عملية التشكيل الجديد لهويتهم). فهل يفعل الصحفيون والكتاب ذلك فعلا في اوطان العام الثالث؟ وهل للصحافة دور المرآة في هذه الاوطان؟ ليس الذي يكتب باحثا بين مفاصل الاحداث اليومية كطائر الافق الجميل الذي يبعث منقاره الحاد بين فواصل الصخور باحثا في المجهول عن شيء من طعام وكثير من .. حرية. منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) اعتمدت يوم الثالث من مايو من كل عام يوما عالميا لحرية الصحافة, المهنة الاجمل حسب تعبير كاتب امريكا الجنوبية الاديب جارسيا ماركيز فهل سمعنا بهذا اليوم وبهذا الذي يسمونه (صحافة حرة) في عوالمنا التي ابحرت في الدرجة الثالثة, وغفت على وهم الفخامة المزعوم فيها منذ زمن بعيد؟ هناك مثل شائع يتداوله (الحكماء) من الناس في مجتمعنا على انه من النصائح الثمينة التي عليك تقييمها جيدا اذا سمعت احدهم يقول لك (سر بعيد وتعال سالم)! انها وصية حارة ذات دلالة وشجن وارث موغل في التاريخ! والوصية غالبا ماتأتيك من قلب محب, عالم ببواطن الشأن السلطوي في مجتمعات الدرجة الثالثة, والدلالة لاتحتاج الى شرح فكلما ذهبت بعيدا, وتجنبت اشعال النيران الصغيرة هنا وهناك عدت سالما, وبالتأكيد فلن تحرق النار اصابعك الناعمة ابدا. سؤال ملح: لماذا الصحفي المملوء بالوعي والهم بالذات هو الشخص المولع والمسكون برغبة التقليب في الذاكرة والتاريخ وصخور الواقع بحثا عما (تحت) وعما في الداخل؟ لماذا يصر هذا الصحفي على عدم نسيان الحماقة القديمة منذ ايام الشيطنة والولدنة, حماقة العبث بأعواد الثقاب واشعال النيران الصغيرة؟ هل هو قدر ام اختيار ذلك الذي اوغل ببعض الصحفيين في مجاهيل الأدغال, والحروب وثورات العصابات, واحياء الفقر ومخيمات البؤس والسجون والمعتقلات وخطوط النار؟ مَن مِن هؤلاء الصحفيين يوم ولد, عرفت والدته الطيبة ان وليدها الحبيب الهادىء في مهده سيغادر كل مساحات الهدوء ورغد الحياة, كل راحة البال والمقاعد الفخمة, والاصحاب المؤمنين بعقيدة (سر بعيد وتعال سالم) وكل الاحباب المتجمعين في الاماسي الحميمة على انغام الموسيقى وراحة البال وفناجين القهوة؟ هل عرفت والدة بأن ابنها سيغدو يوما شخصا مختلفا, جامحا في الفيافي البعيدة, باحثا عن المشاق والمتاعب, في المهنة الاجمل ـ كما قال ماركيز ـ يشاكس مراكز القرار والسلطة احيانا, وينبش في ملفات الفساد والتجاوز احيانا اخرى, وفي كل حالاته تسكنه رغبة الصهيل في فيافي الحرية بعيدة المنال. يحتفل العالم بحرية الصحافة, وفي سجون سلطات كثيرة عشرات الصحفيين تاهت حريتهم في سعيهم اللاهث خلف .. الحرية.