هناك مبالغات قطعاً في توقع المشكلات التي يمكن ان تقع بسبب مشكلة الصفرين ليلة رأس السنة, ذهب بعضها الى حد الخوف من وقوع كوارث طبيعية وزلازل وفيضانات, وذهب بعضها الاخر على حد تفكير مهووسين أو متزمتين او متطرفين أو مجانين لا فرق الى الحديث عن نهاية العالم وقيام القيامة, فآثر بعض هؤلاء الانتحار قبل هذا اليوم, وهناك من لايزال يدعو له أيضاً, هرباً من نهاية القرن. سنعيشها ليلة 31 ديسمبر الحالي قرننا الحالي العشرين من دون كوارث ولا مشكلات ولا قيامة ولاهم يحزنون, وهناك عشرون قرناً اخر انتهت من دون كوارث كالتي يزعمون, وعمليا فان المسألة كلها لا تتجاوز نهاية سنة ميلادية ودخول سنة ميلادية اخرى جديدة, وهو ما نعيشه كل عام, وعاشه مئات الملايين كل عام طوال التاريخ البشري, منذ تسجيل هذا التاريخ وما قبله أيضاً. غير أن نهاية هذا العام حدث استثنائي بلا شك لانها نهاية قرن في الوقت نفسه, وهو حدث لا يتكرر الا مرة كل مئة عام, وهناك من تمنى ان يعيش نهاية قرن وبداية آخر فلم يستطع, وهناك من عاش بداية القرن الماضي وشهد نهاية ما قبله, فامتد عمره في قرنين, مثل الذي عاش قرننا الحالي ثم سيشهد مولد القرن الجديد فيعيش فيه بقية عمره, غير ان هذا الاستثناء لنهاية العام لا يقتضي المبالغة في تصور كوارث كالتي تحذر مها جماعات متطرفة, فاذا كانت هناك كوارث وزلازل وغيرها سوف تقع, فان هذه تقع بسبب عوامل طبيعية ليس من بينها بداية عام او قرن وحساباتها تختلف. مع ذلك فنهاية القرن الحالي ليست كنهاية القرن الماضي بكل تأكيد بسبب عامل وحيد هو تطور العلوم والتكنولوجيا, خاصة تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر, فقد ارتبطت حياتنا بهذه العلوم وهذه الاجهزة, الى الدرجة التي صارت جزءا منا ومن نشاطنا البشري ومن عوامل حركتنا وعملنا وحياتنا عموماً, فقد برمجنا هذه الاجهزة وهذه التكنولوجيا لكي تساعدنا في كافة حقول الحياة, من الاقتصاد الى التعليم, ومن النقل الى الطب, ومن الكهرباء والماء الى الترفيه, ومن المصنع الى المطبخ, ومن المختبر والجامعة الى غرف النوم, فصارت مع الزمن, هي التي تبرمجنا وتعمل على تشغيلنا, وكأننا آلات لا بشر. لذلك فالمخاوف من كوارث ومخاطر بسبب نهاية العام والقرن تقع فقط في محيط ما يرتبط بحياتنا من اجهزة ومعلومات, وهي للاسف يمكن ان تقع بسبب خطأ بشري في الاساس لم يعمل حساباً لنهاية القرن فيبرمج الاجهزة على اساس الصفرين, وهو ما عملت كافة دول العالم, كبيرها وصغيرها, وبكافة اجهزتها الحكومية وغير الحكومية, على تجاوزه والاستعداد له بحل مشكلة الصفرين, وبوضع الطوارئ أيضاً لمفاجآت ممكنة. وبما ان الزلازل لا تعمل بالكمبيوتر ولا الصواعق ولا الفيضانات ولا البراكين ولا غيرها من ظواهر طبيعية, فان الحديث عن وقوع كوارث بسبب نهاية القرن سخف وحماقة, ومع ذلك فانه على الرغم من تطمينات الدول والمؤسسات, فان هناك مخاوف جدية من تمكن مجرمين أو ارهابيين او غيرهم من اختراق شبكات كمبيوتر وقواعد معلومات خطيرة للعبث بها, فتؤدي عمليات ارهابية عبر الكمبيوترات الى تعطل الكهرباء عن مدن ضخمة كنيويورك او الى اطلاق سلاح ذري او احداث تفجير نووي وما الى ذلك من عمليات يمكن ان يكون بعضها من الاثار التدميرية والضرر بحجم عدة براكين او زلازل, وذلك باستغلال ثغرات في انظمة التشغيل وفي شفرات هذه الانظمة نتيجة لخلل او خطأ او سهو يرتبط بعلة القرن. طبعاً ما يمكن ان يستغله ارهابيون من هذا النوع الذكي او مهووسون وحمقى يمكن أن يحدث في أي وقت من العام وليس في نهاية العام وحدها, ما يتطلب من اجهزة الامن والمكافحة والمخابرات في العالم تطوير الاداء والعمل, لأن من الواضح ان الارهاب والجاسوسية والجرائم كلها ستصبح مع القرن المقبل الكترونية, فتدور المعارك والمطاردات على الشاشات بدلا من الشوارع, اما نحن البشر عموماً, فلا نعرف سوى اننا نستقبل القرن الجديد ونحن تحت رحمة الكمبيوتر.. من بعد الله طبعاً.