على طول سنوات الازمة الجزائرية, ظلت المسألة الاقتصادية ثاني الاولويات, ذلك لان السلطات ركزت انفاقها بالدرجة الاولى على الجانب الامني, وقد يبدو ذلك طبييعا في بلد سيطر فيه العنف على جميع مظاهر الحياة, واتسعت دائرته وزاد عدد ضحاياه, لكن واقع الامر غير ذلك , فالعنف في البداية ثم الارهاب بعد ذلك من اسبابهما الوضعية الاقتصادية سواء تلك المتعلقة بغياب فرص العمل ووجود البطالة, او تلك الاخرى المتعلقة بفشل مشاريع التنمية التي ارتبطت اساسا بانخفاض اسعار النفط, يضاف الى هذا كله تنوع جماعات الفساد وتعددها لدرجة يصعب في الوقت الراهن معرفة عددها ومجال نشاطاتها, فهي تتوارى احيانا حول الوضعية المأساوية للبلاد, وفي احيان اخرى كثيرة تظهر علانية في نشاطها محمية بنصوص قانونية, ساعدتها على مركزية القرار فيما يتعلق بالنشاط التجاري, ولكن هل جماعات الفساد في الجزائر حقيقة يمكن القضاء عليها لتوفير مناخ صحي في البلاد, ام انها مجرد وهم تختفي وراءه جماعات تشترك في المصالح مع السلطات والاجهزة والمؤسسات الكبرى في البلاد؟ يذهب كثير من المراقبين في الجزائر الى القول: لولا وجود العنف ما تمكنت الدولة من خصخصة المؤسسات الصناعية الكبرى ولا تمكنت في وقت لاحق من الخضوع الكلي لشروط البنك الدولي وصندوق النقد و(نادي باريس) وجميع المؤسسات المالية الدولية التي اثرت بشكل مباشر على القرار السياسي الجزائري, وهذا القول يعطي انطباعا عاما لوجود دوافع تكمن وراء العنف والارهاب منها: ان وتيرة هذا الاخير تزيد كلما زادت نسبة البطالة وغلاء المعيشة, وتراجع العمالة سواء من خلال العمل النقابي, او من خلال المشاركة في المصانع من ناحية ملكيتها للعاملين, لذلك يذهب احد الخبراء الاقتصاديين الجزائريين الى القول: ان صندوق النقد الدولي هو المستفيد الاول من الوضع المأساوي في الجزائر واذا كان يصعب انكار ذلك, فانه في الوقت ذاته ليس البنك الدولي و المؤسسات المالية هي المستفيد الوحيد, وانما جماعات داخل الجزائر مستفيدة هي الاخرى ولكن من هي تلك الجماعات يا ترى؟ تلك الجماعات لا يمكن تحديد عناصرها من منطلق الفساد لكونها تمارس عملا مشروعا ولكن يمكن متابعة وصولها الى اقامة المشاريع, ومعرفة مرجعيتها المالية واصولها الاقتصادية من ناحية الموقع ومن ناحية المشاركة, حيث يلتقي في نشاطها الجانب القانوني مع الجانب المصلحي, قد تبدأ من بعض العاملين في الجمارك وتنتهي عند بعض المسئولين الكبار, وبما انها تملك سلطة القانون فقد استطاعت ان تقضي على صغار التجار, والمستوردين من الخارج او اولئك الذين يحتمل ان يشكلوا رجال اعمال في المستقبل, لذا يمكن القول ان النشاط السياسي في الجزائر لم يواكب بعد بنشاط اقتصادي مواز مع ان البلاد دخلت اقتصاد السوق منذ سنتين على الاقل. من ناحية اخرى فان العمل السياسي او ما يسمى بالتعددية قد ساعد على توسيع دائرة الفساد, حيث وحسب مصدر مطلع هناك علاقات ـ على اساس حزبي ـ بين بعض المسئولين الكبار في الاحزاب, بما في ذلك الاسلامية وبعض مديري البنوك, يتم من خلاله سحب الاموال في نهاية الاسبوع واعادتها بعد ذلك وهذه ترتبط بمدى الصدق والوفاء حتى ان البعض يشتكى احيانا من عدم وجود امواله الخاصة عند السحب وعليه ان ينتظر اذا كان المبلغ كبيرا يومين او ثلاثة, وتواجه هذه العملية في حال الكشف او الحديث عنها حتى داخل الاوساط الضيقة الى الاتهام بالارهاب حتى يتابع امنيا, وغالبا ما يقتل الشخص الذي تمكن من معرفة ما يحدث, او الاتهام بانه يدلي بمعلومات للمخابرات والجهاز الامني فيقتل من الجماعات, لهذا يعرف كثير من الجزائريين ما يحدث لكن يلتزمون الصمت في محاولة منهم للحصول على الامان والسلامة. ذلك وجه فقط من اوجه عديدة تكشف عليها جماعات الفساد وقد ساعدها الوضع الامني المتدهور على السيطرة والنفوذ ولذلك يعرف خاصة الجزائريين وكثير من عامتهم, ان بعض المسئولين السابقين في الدولة بما فيهم شلة من العسكريين والوزراء السابقين يتحكمون في التجارة الجزائرية استيرادا وتصديرا وليس شرطا ان يكون هؤلاء جماعات فساد, ولكن عدم الإيمان بالمنافسة في ظل اقتصاد السوق يعد في حد ذاته مساعدا أو مظهرا من مظاهر الفساد, غير انه لا يتم الإعلان عن ذلك إما خوفاً وإما لوجود مصلحة مشتركة بين مسئولين حاليين, وآخرين سابقين الذين هم في التقاعد الآن, ولذا يمكن القول ان الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قد ورث تركة صعبة مثقلة من ناحية كثرة جماعات الفساد وتنوعها, مع ان الرئيس السابق (اليمين زروال) قد حاول القضاء عليها, ولكن لم يفلح ومع نظافة يده وبراءة ذمته, إلا انه ترك السلطة حين اكتشف ان الذين حوله ويشاركون في عملية صناعة القرار يدافعون عن مصالحهم لدرجة الالتقاء مع جماعات الفساد. يلاحظ من ناحية أخرى ان تلك التركة الثقيلة هي احدى العوامل الأساسية لتعطيل أي مصالحة في البلاد حيث بامكانها تدعيم الجماعات ماديا للاستمرار في عملية الارهاب كمرتزقين, خصوصا وان نسبة البطالة مرتفعة في البلاد, وحسب مصدر مطلع, فإن كثيرا من الجماعات تأخذ مبالغ مالية شهرية أو سنوية من بعض أصحاب المصانع, للحفاظ علىها, أولا ولحمايتها ثانيا من الجماعات الأخرى, وبالطبع هناك من أبدى رغبة ملحة لمساعدة تلك الجماعات والمقابل استمرار نشاطه التجاري, ويبدو ان السؤال الذي كثر طرحه, القائل: من أين للجماعات المسلحة الدعم المادي؟ قد وجدت إجابته من خلال المجازر التي يواجهها المواطنون حين تخلوا عن دعم الجماعات, أو من خلال عدم تعرض أصحاب المصالح الكبرى للهجمات الارهابية, وفي الحالتين فإن الجماعات تواصل عملها مع زيادة عناصرها على اعتبار انها تمارس عملا تتقاضى عليه أجراً. الوضعية صعبة إذن أمام الرئيس بوتفليقة وبغض النظر عن الخلافات الشائعة بينه وبين السياسيين, فإن الرجل يدرك جيدا الأزمة في بعدها الآخر, انها ليست أمنية فقط ولكنها اقتصادية وسعيه العالمي نحو استقطاب الاستثمار العربي والاجنبي للجزائر هدفه في الاساس القضاء على ازمة ما بعد استقرار الوضع الأمني, وهو في ذلك محق إلى حد بعيد, غير انه محتاج إلى دعم كل القوى السياسية في الداخل والخارج بالقضاء على الفساد في جوانبه الأخرى, وهو عمل يتطلب مواجهة حقيقية, بدأها بتغيير وإقالة عدد من الولاة ـ المحافظين ـ وينتظر منه ان يكون أكثر صرامة فيما يتعلق بالمؤسسات الأخرى التي لها مصلحة في استمرارية العنف لصالح جماعات الفساد. لقد عطلت جماعات الفساد المختلفة نشاط الدولة الجزائرية, وجعلتها في حال من الفوضى التي يصعب الخروج منها الا بتغيير جذري, وكلما لاحت في الأفق بوادر الامل لتجاوز الوضع المأساوي كلما اتسعت دائرة الفساد من خلال ممارسة العنف, وفي وقت سابق من سنة 1996 وبعد ان اتضحت صعوبة انهيار الدولة كاملة فان بعض الذين كانوا في فرنسا وهم من الجزائريين التابعين لها قديما ـ عادوا لامتلاك اراض زراعية من خلال اعمال العنف, وذلك بحمل السكان على هجرة جماعية نتيجة للمجازر التي ابادت قرى باكملها وكان الهدف الاساسي هو شراء الاراضي باثمان بخسة, وقد كشفت مصادر امنية آنذاك عن وجود دور لاجهزة امنية لدول مجاورة وبغض النظر عن كل ذلك فان الواضح هو استمرار العنف لصالح الفساد في الداخل والخارج. ان تلك الجماعات من القوة بحيث لم يعد في الامكان القضاء عليها بشكل فردي لانها تدافع عن مصالحها بشكل جماعي, ولذلك بات من الضروري تجميع مختلف القوى الوطنية للقضاء عليها, والا تمكنت في النهاية من ازاحة الرئيس بوتفليقة او استبعاده او ربما القضاء عليه وعلى مستقبله السياسي, وترفع الآن شعار التشكيك في كل عمل يقوم به الرئيس, بما في ذلك الطعن في وطنيته ومواقفه القومية, والهدف هو عدم استقرار الاوضاع, لان ذلك يساعد على بقائها, وحسب احد المقربين من الجبهة الاسلامية للانقاذ ان اغتيال عبد القادر حشاني ـ بغض النظر عن الفاعل ـ قامت به جماعات الفساد بهدف تعطيل المصالحة, وبالتالي استمرار العنف, وذلك لاشغال السلطات عن متابعة الفساد بمختلف المجالات, والسيطرة على السوق, وتهريب واستبعاد وازعاج الممولين الاجانب. التكلفة باهظة للاقتصاد الجزائري وكذلك بالنسبة للمواطنين, حيث جعلهم الوضع الامني وما تبعه من غلاء المعيشة يشكون في خطوات الدولة, واذا كانت الآن لا توجد حركة تمرد اجتماعي واسعة, فانه ينتظر بعد تقلص العنف أو انتهائه ان تتحرك الجبهة الاجتماعية ليجد الرئيس بوتفليقة نفسه في حرب من نوع آخر, قد ينتصر فيها اذا تجمعت ـ كل القوى في الداخل والخارج بهدف تأييده ـ وهو ما لاتريده جماعات الفساد وتحاربه بكل قوة, وتحاول ان تجعل وجودها مجرد وهم, او سراب يصعب الوصول اليه. * كاتب صحفي جزائري